سورة البقرة | حـ 242 | آية 218 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة
- •العلاقة بين الإنسان وربه مبنية على الرحمة، ويجب طلبها من خلال الإيمان والعمل والنية الخالصة.
- •الإيمان وحده لا يكفي، بل لابد أن يصدقه العمل، فالإيمان ما استقر في القلب وصدقه العمل.
- •الهجرة في سبيل الله تختلف عن الهجرة لأجل مصلحة دنيوية كالمال أو الزواج، فالأولى أوسع وأشمل.
- •الجهاد في سبيل الله يشمل الجهاد الأكبر والأصغر، ويجب أن يكون خالصاً لوجه الله.
- •فتوحات المسلمين تختلف عن الاستعمار، فلم ينهبوا موارد البلاد ولم يهجّروا شعوبها، بل تزوجوا منهم وأسسوا أسر المحبة.
- •المسلمون عندما فتحوا البلاد كان هدفهم نشر الدين ورفع الطغيان، وليس تحقيق مصالح مادية.
- •رحمة الله واسعة لمن آمن وهاجر وجاهد في سبيله، وقد تكتب "رحمت" بالتاء المفتوحة لتدل على شمولها واستمرارها.
- •الله غفور رحيم لمن يطلب رحمته ويسعى لها بالإيمان والعمل الصالح.
مقدمة وتلاوة آية رجاء رحمة الله من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى مقررًا قاعدة مهمة:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَـٰهَدُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُولَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 218]
علاقة الإنسان بربه مبنية على الرحمة وشروط تحصيلها الثلاثة
إذن علاقة الإنسان مع ربه مبنية على الرحمة، ويجب على المؤمن أن يطلب هذه الرحمة. وهذه الرحمة جعلها الله سبحانه وتعالى في مقابلة ثلاثة أمور:
- أولًا: الإيمان.
- ثانيًا: العمل.
- ثالثًا: النية في هذا العمل.
إذن كيف تحصل على رحمة الله؟ بالإيمان أولًا؛ فلا بد من الإيمان، والذي يصدر منه عمل من غير إيمان فإنه لا يكون مرتبطًا بالقضية التي خلق الله من أجلها الكون، وهي عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس.
العمل بلا إيمان يكون لمصلحة شخصية قاصرة ومحدودة
وإنما يكون [العمل بلا إيمان] من أجل مصلحة شخصية، من أجل رؤية قاصرة محدودة في الزمان والمكان، من أجل شيء يعود عليه أو على قومه.
ولذلك يحاول بعض الناس أن يقارنوا بين الاستعمار وبين الغزو في سبيل الله الذي تم في العصر الأول، فيقول: ما أنتم استعمرتم البلاد! لا، نحن ما استعمرنا البلاد.
الفرق بين الاستعمار ونهب الثروات وبين الفتح الإسلامي
الاستعمار بمعنى الاحتلال مؤداه نقل خيرات ذلك البلد من أجل بناء البلد المستعمِر؛ فالمحتل عندما دخل بلادنا نهب ثرواتها، أخذ مواردها، وبنى بها بلده.
وهذا لم يحدث عند المسلمين؛ لما دخلوا البلاد لم ينهبوا مواردها، ولم يحملوها حملًا ليبنوا الحجاز، وليجعلوا الحجاز بساتين ومروجًا وجنات. وظلت الحجاز أفقر بلاد الله حتى منّ الله عليهم بثروة البترول. لم يحدث هذا الكلام، لم يحدث استعمار.
المسلمون لم يبيدوا شعوبًا بل تزوجوا وبنوا أسرًا مع أهل البلاد
عندما دخلنا البلاد لم نُبِد شعوبًا حتى نأتي مكانها، لم نُهجّر شعوبًا ونجعل من الشعوب لاجئين أبدًا.
الذي حدث، ولأن ذلك كان في سبيل الله، وكان بناءً على قضية العبادة والعمارة والتزكية، فإننا تزوجنا من أهل البلاد، وبنينا أسرة المحبة، وتناسلنا من أهل البلاد، وانتشر الإسلام عن طريق الأسرة. هذا ما حدث.
قصة معاقبة ابن عمرو بن العاص دليل على عدالة الفتح الإسلامي
وعندما ضرب ابن عمرو بن العاص أحد سكان البلاد [المفتوحة]، هنا عُوقب؛ لأنه قد ارتكب جريمة خطيرة علاقة لها بالنظام القائم.
فهذا استعمار؟ هذا ليس استعمارًا! عندما أتوا لرفع الطغيان وصد العدوان، لم يكن حربًا تتوخى المصالح، ولم يكن جهادًا في سبيل الأرض، أو في سبيل المصلحة، أو في سبيل المال، أو في سبيل بناء الأرض هناك في الحجاز مكة والمدينة، بل كان في سبيل الله.
منهج الفاتحين المسلمين في التبليغ دون إكراه في الدين
كلمة هو قائلها، يقولها ثم بعد ذلك يقول: بلّغتكم، ويأخذ بعضه ويمشي.
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
وبعد ذلك:
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [غافر: 44]
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا الذي حصل، فيكون الاستعمار أين إذن؟ والاحتلال أين؟
الإيمان وحده لا يكفي بل لا بد أن يصدقه العمل والهجرة
الذين آمنوا:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ [البقرة: 218]
الإيمان وحده لا يكفي، وهو مجرد التصديق في القلب؛ لا بد من أن يصدقه العمل. والإيمان ما استقر في القلب وصدّقه العمل، فهاجر.
والهجرة هذه يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»
انتقل من بلد إلى بلد لمصلحة شخصية دنيوية يصيبها. انظر إلى كلمة "دنيوية يصيبها"؛ إذن تشمل المال والجاه والسلطان والمستقبل والعلم والأولاد وكل هذا، أو امرأة يتزوجها أيضًا، قد يشمل تغيير حياته أو مراعاة حبه.
الفرق بين الهجرة للدنيا والهجرة في سبيل الله الواسعة الأهداف
حسنًا، وما هذه الأشياء؟ يعني الناس تسعى إلى العلم أو إلى المال أو إلى الزواج، وهذا ليس محرمًا وإنما [رؤية] قاصرة.
ولكن المهاجر في سبيل الله مهاجر لغير غرض محدد، فتكون الأرض واسعة أمامه؛ فالأرض [هناك] واسعة وهنا الأرض ضيقة، والأغراض هناك واسعة والأهداف واسعة.
وهذا لا يعني حرمة هذا [السعي الدنيوي] ولا عدم الاهتمام به، بل يعني إننا إذا اهتممنا به يأتي من خلال إيماننا بالله ومن خلال نياتنا الخالصة لله.
الجهاد في سبيل الله يشمل الجهاد الأكبر والأصغر معًا
وجاهدوا — ولم يقل [سبحانه] "جاهدوا" فقط، ولكن [قال]: في سبيل الله؛ فشمل الجهاد الأكبر [جهاد النفس] والجهاد الأصغر [جهاد العدو]، وكل ذلك يجب أن يكون في سبيل الله.
﴿أُولَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 218]
يرجون رحمة الله، ورحمة الله هنا ذُهبت [أي كُتبت في المصحف].
سر التاء المفتوحة والمربوطة في كلمة رحمة في القرآن الكريم
يكتبونها في الآية بالتاء — ليس التاء المربوطة [فقط]؛ أحيانًا يكتبها [الرسم القرآني] بالتاء المربوطة وأحيانًا يكتبها بالتاء المفتوحة، وبعضهم يقول لك إن في ذلك أسرارًا.
هذه الحكاية: التاء المفتوحة والمربوطة. فهنا "يرجون رحمتَ الله"، عندما تفتحها هكذا وتجعلها بالتاء المفتوحة يعني معناها رحمة واسعة لا نهاية لها، هي أصل الرحمة، يعني رحمة من كل جهة.
ولكن عندما تجدها أنها محصورة [بالتاء المربوطة]، رحمة مخصوصة، يعني رحمة مخصوصة في وقت معين، في مكان معين، في شخص معين، وهكذا رحمة مخصوصة. لكن التاء المفتوحة تبقى رحمة على الدوام.
الفرق بين الوقف على التاء المفتوحة والمربوطة في كلمة رحمة
فما الفرق؟ هذا في الكلام لو وقفت عليها: تقول "أولئك يرجون رحمة" — ما تقول "رحمة" [بالهاء]؟ التي مربوطة تقول ماذا؟ رحمه [بالهاء]. لكن المفتوحة تقف عليها بالتاء أيضًا [فتقول: رحمتْ].
﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 218]
فاللهم اغفر لنا وارحمنا، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
