سورة البقرة | حـ 246 | آية 219 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة
- •في آية "يسألونك عن الخمر والميسر" يبين الله أن فيهما إثماً كبيراً ومنافع، لكن إثمهما أكبر من نفعهما، مما يعلمنا الإنصاف في وصف الواقع.
- •الله وحده من يحدد المصلحة وليس البشر، وهذا فارق جوهري بين فكر المسلمين وغيرهم الذين اعتمدوا على العقل البشري في تحديد المصالح.
- •يقرر الإمام القرافي أن في كل شيء مصلحة ومفسدة، حتى في أبسط الأمور كطبخ الطعام والحمل والولادة.
- •المصالح والمنافع قد تكون ملغاة شرعاً مثل منفعة الخمر والزنا، فالشارع ألغى اعتبارها رغم وجودها.
- •ليست القضية إنكار وجود المنفعة، بل إنكار اعتبارها شرعاً بمعنى أن الله لا يثيب عليها.
- •في قوله تعالى "ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، العفو يعني الزيادة، أي أنفقوا ما زاد عن حاجتكم دون إرهاق أنفسكم.
- •العفو كلمة مشتركة لفظياً تحمل معنيين: الإزالة والزيادة.
مقدمة تفسير آية سؤال الخمر والميسر من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]
وعرفنا ما فيها [من دروس ومعانٍ]، وأن الله سبحانه وتعالى يعلّمنا ونحن ندرك الواقع الإنصاف؛ فنقول لما فيه من خير ولو كان شرًّا: هذا خير. ويعلّمنا أن الأمور قد تكون نسبية، وأن المصلحة إنما يحددها الله؛ لأن الأمور إذا تُركت للبشر اختلفوا فيها.
تحديد المصلحة والمفسدة بيد الله لا بيد البشر
فمنهم من سوف يرجّح ما في المسألة من منفعة، ومنهم من سوف يرجّح ما في المسألة من مفسدة. فالأمر إذن عائد إلى الله:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]
جُعلت المصلحة بيد الله، وهذا فارق كبير بين فكر المسلمين وبين فكر غير المسلمين الذين اعتمدوا على العقل البشري؛ فقالوا إن الذي يحدد المصلحة البشر. فمنهم من قال: الدكتاتور، ومنهم من قال: جمهور الأمة، ومنهم من قالوا: النخبة، ومنهم من قال: الطبقة.
ولكن الله يعلّمنا أن الذي يحدد الحسن والقبح إنما هو الله [سبحانه وتعالى].
قول الإمام القرافي في اجتماع المصلحة والمفسدة في كل شيء
يقول الإمام القرافي: ما من شيء إلا جعل الله فيه مصلحة ومفسدة. حتى طبخ الطعام فيه مصلحة أن الطعام يصير ألذّ، ولكن مفسدته في العناء الذي تلاقيه في إشعال النار؛ إذ أنك ربما تتأذى أثناء تنزيل الإناء.
الحمل فالمرأة تحمل وتفرح بحملها، والمرأة التي لا تحمل تسعى لذلك حتى تحمل. فإذا ما مَنّ الله عليها بذلك إذ بها تتألم، وإذا ما ولدت فرحت فرحًا شديدًا بالولد، ولكن مع هذا الفرح هناك معاينة للموت؛ تعاين الموت من شدة الألم. اختلاط ما بين الفرح وبين الألم.
مثال الجمل الأجرب واجتماع الألم واللذة في الأشياء
حتى الجمل إذا أصابه الجرب فإنه يحكّ نفسه بالشجرة حتى يُدمي جسده، وهو يلتذّ بهذا الألم.
أهو ألمٌ أم لذة؟ سبحان الله! اختلط الأمر أو اجتمع الأمر.
وهذا يعلّمنا الإنصاف في وصف الواقع، ويعلّمنا أن الأمر ليس مبنيًّا على ما في الشيء من منفعة؛ فقد تكون منفعة ملغاة ألغاها الشارع [الحكيم] ولم يقبل أن تكون مناطًا للعمل.
إلغاء الشارع للمنافع في المحرمات كالزنا والخمر
يأتي أحدهم ويقول: لماذا تحرّمون الزنا؟ حرية شخصية! نعم صحيح هو حرية شخصية. ولماذا تحرّمون الخمر وفيه منفعة؟ نعم فيه منفعة صحيح، ولكن ألغى الشارع [الحكيم] هذه المصلحة وهذه المنفعة وهذه اللذة، وجعلها غير معتبرة؛ لأن الشارع قد ألغاها.
فلا يجلس أحد يؤلّف لنا شعرًا في الخمر وفي الزنا، لا! هذه أمور محرّمة مع ما فيها من منافع. نحن وإذ نحرّمها لا ننكر ما فيها من منافع لبعضهم، نحن ننكر اعتبارها شرعًا؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى لا يعطي عليها الأجر ولا يعطي عليها [إلا] العقاب.
المنفعة في الخمر والقمار لا تجعلهما جائزين بنص القرآن
هذه هي القضية؛ ليست القضية هي أن فيها منفعة. نعم فيهما [أي الخمر] والقمار فيه منفعة، وهذا بنصّ القرآن، ولكن هذه المنفعة لا تجعله جائز الفعل، ولا تجعله خاليًا من الإثم:
﴿بَلْ إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 219]
﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 219]
سؤال آخر من الثلاثة عشر سؤالًا [الواردة في القرآن الكريم]:
﴿قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219]
معنى كلمة العفو في اللغة العربية والمشترك اللفظي والأضداد
كلمة عفا يسمّونها في اللغة المشترك اللفظي؛ لأن لها معنيين، وأيّ شيء له معنيان فيسمّونها المشترك. وإذا كان المعنيان هذان ضدّ بعضهما البعض فيسمّى المشترك هذا الأضداد؛ آتية من ضدّ بعضها البعض.
شيء ضدّ شيء: سليم يعني شخص صحيح أو مريض. العرب تسمّي الصحيح سليمًا وتسمّي المريض أيضًا سليمًا، فيكون هذا من الأضداد.
عفا تعني ماذا؟ عفا تعني الإزالة؛ إزالة إزالة تامة، أو تركه تركًا تامًّا. أمّا محاه محوًا تامًّا ولم يترك فيه شيئًا.
أمثلة على معاني كلمة عفا بين الإزالة والترك والزيادة
ومنها عفت الآثار وعفا الأثر؛ أثر الأقدام جاءت ريح قليلة فلم تعد هناك آثار. عفت الآثار يعني الآثار اندثرت وحتى الأطلال لم تعد موجودة.
أعفوا اللحى يعني اتركوها في حالها ولا تحلقوها؛ يعني احلقوها تمامًا؟ لا! أعفوا اللحية يعني اتركوا اللحية تبقى.
عفا جاءت من أين؟ من الأضداد. والعفو عندما نترك الشيء بمعنى الترك فيبقى فيه زيادة؛ لأن العفو هو الزيادة.
﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]
أي محاه وغفر لك. لكن العفو هنا [في آية الإنفاق] يعني الزيادة.
معنى العفو في آية الإنفاق وحديث النبي في التصدق بالفضل
ألا ترى أنك عندما تترك المال يزداد فيحصل فيه عفو.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 219]
يعني أنفقوا بلا إرهاق؛ يعني لا تأخذوا شيئًا ضروريًّا وتذهبوا لتنفقوه بدعوى الكرم، وإنما ادفعوا الزيادة التي عندكم.
ولذلك النبي يقول صلى الله عليه وسلم:
«من كان عنده فضلُ زادٍ فليتصدّق به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضلُ ظهرٍ فليتفضّل وليتصدّق به على من لا ظهر له»
العفو الذي هو العفو [أي] الزيادة؛ فضل زاد [أي طعام زائد]، مركب زائد هكذا إبل أو شيء جمل زائد فليتفضّل وليتصدّق به على من لا ظهر له.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
