سورة البقرة | حـ 247 | آية 219 - 220 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة
- •التفكر فريضة فرضها الله علينا، وهو سبيل الحرية الحقيقية، كما في قوله تعالى: "كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون".
- •المسلمون على مر العصور دعوا إلى الحرية السياسية والاقتصادية والفكرية، ولم يقيموا محاكم تفتيش أو يبيدوا شعوباً.
- •الحرية الحقيقية ليست تقليد الآخر أو التغريب أو التفلت، بل هي التفكير المستقيم ورؤية الأمور على حقيقتها.
- •الإسلام أرسى قواعد الحرية من خلال الزكاة وتحريم الربا والمساواة في الصلاة والحج، حيث يتساوى الناس ولا يعرف بعضهم بعضاً إلا بالتقوى.
- •التفكر السليم يشمل الدنيا والآخرة معاً، ومن يقتصر على الدنيا فقط "يعلم ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون".
- •القرآن يعلمنا الإنصاف في التفكير، كما في وصف الخمر والميسر بأن فيهما إثم كبير ومنافع، وإثمهما أكبر من نفعهما.
- •التكافل الاجتماعي ورعاية اليتامى من أساسيات بناء الإنسان السوي المفكر القادر على العطاء.
دعوة الله إلى التفكر وأثر التوقف عن التفكير على الأمة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219]
فدعانا الله إلى التفكر، والتفكير فريضة فرضها الله علينا. وعندما توقفنا عن التفكير بدأنا في الاهتمام بغير المهم وفي اجترار الماضي.
المصيبة المقابلة لاجترار الماضي هي تقليد الآخر؛ لأن هناك أناسًا الآن يدعون إلى التغريب، يريدون أن نخرج من هويتنا، من تراثنا، من ميراثنا، ويخدعوننا ويقولون لنا: نحن ندعو إلى الحرية.
المسلمون هم أصحاب الدعوة الحقيقية إلى الحرية بأنواعها
لا، نحن الذين ندعو إلى الحرية، وطوال الوقت المسلمون يدعون إلى الحرية، طوال الوقت: الحرية السياسية، والحرية الاقتصادية، والحرية الفكرية.
[المسلمون] لم يقيموا قط محاكم تفتيش أبدًا، لم يبيدوا شعوبًا، لم يقهروا الناس. تقبّلوا الآخر وتقبّلوا فكره، وناقشوه وردّوا عليه بالعلم والحجة بالحجة.
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]
تعالوا نجلس نتحدث، تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، تعالوا نتحدث: ما رأيكم في هذا الأمر؟ حرية، لا دعوة إلى التفلت ولا دعوة إلى الإرهاب الفكري، بل دعوة إلى التفكر.
مقولة سيدنا عمر في الحرية وتشوّف الشرع إلى العتق والتحرر
لماذا تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ هل هذا الكلام خاص بفلان أم علّان؟ هذا خاص بسيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، إذن حرية.
تشوّف الشرع الشريف إلى الحرية التي هي ضد الرق، التي هي ضد العبودية، التي فيها العتق، وتشوّف إلى العتق. واقرأ إذن الباب الذي يقول لك بعض الناس ما من دعوى له الآن: قمة في الحرية.
فرض الزكاة وتحريم الربا والمساواة في العبادات تحقيقًا للحرية
فرض الزكاة على المؤمنين للحرية، حرّم الربا بينهم من أجل الحرية؛ حتى لا تضغط على الفقير إلى أن تخنقه أو ترهبه.
أقامنا [الله] في الصلاة صفًّا واحدًا، وفي الحج نتجرد جميعًا، غنيّنا وفقيرنا، من ملابسنا وعاداتنا، ونكون متساوين، لا يعرف بعضنا بعضًا إلا بالتقوى.
هذه هي الحرية. فما الذي تقوله هذه الحرية في النهاية؟ حرية الفكر أن تفكر، وليس أن تتفلت.
حرية الفكر الحقيقية هي التفكير المستقيم لا الكفر والتفلت
وليس من الضروري في حرية الفكر أن تكفر؛ لأنك إذا كفرت ضيّقت على نفسك ما كان واسعًا، وانتقلت من الحرية إلى أن تكون أسيرًا لشهواتك التي زُيّنت في نفسك.
إنما الحرية هي أن تفكر التفكير المستقيم. الحرية هي أن ترى الأمور على ما هي عليه.
الإنصاف في وصف الخمر والميسر ودعوة الله إلى التفكر فيهما
ولذلك في بداية الآية علّمنا ربنا سبحانه وتعالى الإنصاف:
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]
هكذا هو يصف الواقع هكذا، من غير خوف. ولذلك ختمها فقال:
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219]
والتفكر يكون فيما يتعلق بالغيب وما يتعلق بالشهادة، فقال ربنا: في الدنيا والآخرة. الدنيا شهادة والآخرة غيب، وبهما تمام الإيمان.
التفكر في الدنيا فقط دون الآخرة لا ينفع الإنسان
والذي يريد أن يتفكر في الدنيا فقط لن ينفعه ذلك؛ مبلغه من العلم دنيا فقط، فيبقى ضيّقوا على أنفسهم [ما كان] واسعة [واسعًا]، شاهدوا فقط [الظاهر].
يبقى إذا:
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
لا ينفع، لا ينفع. هكذا أنت لست في الحقيقة، أنت تقول شيئًا خارج الحقيقة.
فلا بد في التفكر أن يكون متعلقًا بالدنيا والآخرة. ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق، لا ينفع. وإنما الذي ينفع:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
هذا هو الذي ينفع. فربنا يعلمنا التفكير المستقيم.
الانتقال من مسألة الخمر والميسر إلى كفالة اليتامى والتكافل الاجتماعي
ويسألونك عن اليتامى، إذا ينقله [القرآن الكريم] من مسألة تتعلق بالنفس وبالمصلحة الشخصية أولًا، وإن كان لها علاقة بالمجتمع البشري، وهي الخمر والميسر.
فالخمر يعود بضرره إلى الإنسان لإزالته عقله، والميسر يعود ضررًا في ماله فيزيل ماله. ويحدث عند الإنسان إدمانًا؛ فالخمر تحدث إدمانًا، والميسر يحدث إدمانًا، يحتاج إلى علاج وإلى أدوية.
والميسر أيضًا هو القمار. فالخمر تؤدي إلى الإدمان، ليس بالضرورة، لكنها تؤدي إلى الإدمان حتى تسلب الإنسان إرادته. والميسر يؤدي إلى الإدمان حتى يسلب الإنسان إرادته، ويكرّ هذا على المجتمع البشري بالمساوئ والمصائب.
اليتامى على قمة التكافل الاجتماعي وبناء الإنسان من خلال التربية
ويتحدث [القرآن الكريم] عن الكفالة الاجتماعية وما يُنفق، ويضع له القاعدة أن الإنفاق في حدود العفو والزيادة.
ثم يقول: ويسألونك عن اليتامى، فوضع اليتامى وكأنهم على قمة التكافل الاجتماعي. تحدث عن التكافل الاجتماعي الأصلي الذي يؤدي إلى حرية الفكر، ثم التكافل الاجتماعي الذي يؤدي إلى بناء الإنسان من خلال التربية من البداية؛ حتى يخرج هذا الإنسان سويًّا مفكرًا، مانحًا لهذا الكون ما أراد الله منه أن يمنحه.
وهذا يحتاج إلى تفصيل سنفصّله في اللقاء القادم إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله.
