سورة البقرة | حـ 251 | آية 222 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 251 | آية 222 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة

9 دقائق
  • يتحدث النص عن آية "ويسألونك عن المحيض" وتصحيح المفاهيم المغلوطة حولها.
  • كان اليهود يعتزلون النساء اعتزالاً كاملاً أثناء الحيض معتبرين المرأة نجسة، ولا يأكلون من يدها.
  • القرآن وصف المحيض بأنه أذى، وأمر باعتزال النساء في المحيض وعدم معاشرتهن حتى يطهرن.
  • أقر الإسلام المساواة بين الرجل والمرأة مع نفي التساوي، فلكل منهما خصائصه ووظائفه.
  • قال تعالى: "أزلهما الشيطان" مساوياً بينهما في المسؤولية عن الخروج من الجنة.
  • خفف الإسلام عن المرأة بإسقاط الصلاة أثناء الحيض مع قضاء الصوم.
  • أوضح النبي ﷺ لعائشة أن الحيض ليس في يدها عندما قالت إنها حائض.
  • علّم النبي ﷺ أبا هريرة أن المؤمن لا ينجس حين اختبأ منه لأنه كان جنباً.
  • هذه الآية تعلمنا وصف الواقع كما هو، وتحذرنا من تلاعب المفسرين بالألفاظ.
  • يحب الله التوابين المتطهرين، سواء بالطهارة الظاهرة أو الباطنة بالتوبة من الذنوب.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة في سؤال الصحابة عن المحيض وموقف اليهود من المرأة الحائض

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يذكر الأسئلة التي سألها الصحابة الكرام لنبينا سؤالًا بعد آخر:

﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]

كان اليهود يعتزلون النساء في المحيض، ويعتبرون أن المرأة نجسة في ذاتها إذا ما أصابها المحيض. وكانوا لا يأكلون من يدها شيئًا، وكان عندهم في ذلك أحوال؛ بحيث أنه لو أكل من يد امرأة وهي حائض اعتبر ذلك مُظلمًا لقلبه ومُعطِّلًا لعبادته.

عقائد اليهود الباطلة في المرأة وتصحيح القرآن لمفهوم المساواة بين الجنسين

وكانوا [اليهود] يعتقدون عقائد شتى مبناها هو عدم مساواة المرأة بالرجل؛ فالمرأة هي التي أخرجت آدم من الجنة، والمرأة هي الشيطان، فإذا ذهبت شيطانًا وإذا جاءت شيطانًا، والمرأة مصيبة لا بد منها.

ولكن الله لما علّمنا قصة الخلق قال:

﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: 36]

فساوى بين الرجل والمرأة، وجعل الرجل والمرأة على حد التكامل، فقال:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ [النساء: 1]

إقرار المساواة ونفي التساوي بين الرجل والمرأة في التشريع الإسلامي

وقال [سبحانه وتعالى]:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]

ثم قال:

﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]

وبيّن [الله تعالى] هذه الدرجة فقال:

﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ﴾ [النساء: 34]

فأقرّ [الإسلام] المساواة ونفى التساوي؛

﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ﴾ [آل عمران: 36]

هذا له خصائص ووظائف، وهذا له خصائص ووظائف.

قال رسول الله ﷺ: «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»

وكلٌّ يفعل ما أمره الله به.

اعتزاز كل من الرجل والمرأة بطبيعته التي خلقه الله عليها

﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 32]

اللهم وفّقني فيما أقمتني فيه. فالرجل يعتز بأنه رجل، والمرأة تعتز بأنوثتها وبأنها امرأة. ويغضب الرجل إذا انحرف عن رجولته، وتغضب المرأة إذا أُخرجت من أنوثتها.

﴿خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ [لقمان: 11]

هذا خلق الله:

﴿فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: 11]

لقد خلقوا اضطرابًا.

الإجابة القرآنية عن سؤال المحيض وبيان أحكامه وتخفيف الله عن المرأة

﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]

علّمنا الله في الإجابة على الأسئلة وفي وصف الواقع أن نصفه كما هو، ولكن مع مثل هذه المبادئ يوجد مساواة، يوجد تكليف، يوجد تشريف، يوجد كذا وكذا:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]

﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُوا ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]

إذن وصفه [الله تعالى] بما هو عليه من أنه أذى، وعلّمنا ألا تتم معاشرة بين الرجل وزوجته أثناء الحيض.

تخفيف الله عن المرأة الحائض في الصلاة والصيام وتصحيح مفهوم الاعتزال

وخفّف [الله تعالى] عن المرأة حالها، وجعلها لا تصلي في هذه الفترة ولا تصوم؛ إلا لأن الصيام معدود والصلاة كثيرة، أسقط عنها قضاء الصلاة وفرض عليها قضاء الصوم؛ تكليف ومعاملة على الواقع، وأثابها على ذلك كله.

فاعتزال المرأة الذي فهمه اليهود على غير وجهه، واعتقدوه أنه اعتزال لها لأنها شيطانة، هيمن عليهم القرآن وصحّح مفاهيمهم، وقال لهم إن هذا الاعتزال [إنما هو] في المعاشرة بين الزوجين، وليس في الأكل والشرب، واتهامهم [أي: اتهام النساء] بغير ما هم فيه، واتهامهن بغير ما هن فيه.

موقف النبي ﷺ من عائشة وهي حائض وبيان طهارة المرأة في الإسلام

وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها حائضة، وطلب منها النبي صلى الله عليه وسلم أن تناوله شيئًا، فقالت وهي في البيت والباب هكذا والمسجد هكذا، فقالت: إني حائض.

قال [النبي ﷺ]:

«ليست حيضتك في يدك»

هل الحيض ينزل من اليد؟ أنتِ خائفة من تلويث المسجد من أي شيء؟ لا يوجد تلويث ولا شيء. قالت له: حسنًا، انظر إلى يدي هذه فيها جنابة فتصبح نجسة، إذن أنا نجسة. لا تخافي، عندما تمدّين يدك هكذا وهي دخلت المسجد، يدك هذه طاهرة لأنك من بنات آدم. يا سلام!

«ليست حيضتك بيدك»

قصة أبي هريرة مع النبي ﷺ وبيان أن المؤمن لا ينجس

من هذا الفهم اليهودي ظنّ أبو هريرة رضي الله عنه أنه وهو جُنُب يكون نجسًا. فمرّ وكان جُنُبًا، فلاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختفى من طريقه واستخبأ منه.

فلما وصل إليه قال:

يا أبا هريرة، لماذا تتوارى عني؟

قال: إني جُنُب يا رسول الله. قال [النبي ﷺ]:

«سبحان الله! المؤمن لا يَنجُس»

إن الجنابة هذه شيء يمنع من الصلاة، نذهب فنغتسل لها فتزول وتذهب، لكن المؤمن لا ينجس.

دروس الآية في وصف الواقع والمساواة والطهارة الظاهرة والباطنة

إذن هذه الآية [آية المحيض] تعلّمنا كيف نصف الواقع على ما هو عليه، وتعلّمنا أنه يمكن لبعض المفسرين أن يتلاعبوا بالألفاظ فيفسّروها بغير ما أرادها الله لها، ويكونوا بذلك قد اعتدوا على شرع الله.

وتعلّمنا بالمساواة التي أقرّها الله للمرأة في دين الإسلام، مهيمنًا بذلك على ما سبقه من الأديان والمذاهب. وتعلّمنا أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وأنه يعلّمنا النظافة الظاهرة والباطنة.

أما الظاهرة فمعروفة معلومة، وأما الباطنة فبالإشارة إلى التوبة التي نتخلّص بها ويغسل أحدنا قلبه مع ربه من الآثام والمعاصي والذنوب.

فاللهم اجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهرين، واقبلنا عندك يا رب العالمين. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.