سورة البقرة | حـ 252 | آية 223 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 252 | آية 223 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة

8 دقائق
  • يشير القرآن الكريم في سورة البقرة إلى العلاقة الزوجية بقوله "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم"، مبيناً موضع الحرث الذي منه الولد.
  • حرّم الإسلام إتيان المرأة من الخلف، إذ جعل الله تعالى المؤخرة مخرجاً لا مدخلاً.
  • يحق للمرأة في الفقه الإسلامي طلب الطلاق إذا أتاها زوجها من الخلف، لكن يُنصح بمراعاة مصلحة الأسرة وتقديمها على طلب الطلاق.
  • جمهور أهل السنة والجماعة متفقون على تحريم هذا الفعل، مع وجود رأي مخالف عند السادة الجعفرية.
  • ينبغي للزوج أن يتعامل مع زوجته بإنسانية، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقع الرجل على زوجته كما يقع البعير.
  • وجه النبي الكريم الأزواج إلى حسن العشرة قائلاً: "خياركم خياركم لأهليهم".
  • العلاقة الزوجية الشرعية صدقة وفيها أجر، حتى اللقمة التي يضعها الرجل في فم زوجته.
  • على المسلم تقوى الله في علاقته الزوجية وسائر شؤونه.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تفسير آية نساؤكم حرث لكم من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلّم المؤمنين أمر حياتهم:

﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 223]

تصحيح ما علق بأذهان العرب من تحريم اليهود لبعض أوضاع المعاشرة

يُصحّح [هذا الخطاب القرآني] أيضًا ما علق بأذهان العرب من اليهود؛ حيث إنهم حرّموا بعض الأوضاع في المعاشرة الجنسية بين الزوجين. والله سبحانه وتعالى وهو يخاطب بالإسلام العالمين إلى يوم الدين أباح ذلك [أي تنوّع أوضاع الجماع المشروع] وقال:

﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]

يعني بأي طريقة كانت.

دلالة لفظ الحرث على موضع الإتيان وتحريم إتيان الدبر

ولمّا قال [الله تعالى]: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أشار إلى موضع الحرث الذي منه الولد؛ لأن ذلك [أي القُبُل] هو المتاح والمباح. ولأن الله سبحانه وتعالى خلق هذا [العضو] من أجل هذا [الغرض]، لكنه لم يخلق المؤخرة له [أي للجماع]؛ جعله مَخرجًا لا مَدخلًا.

والذي يريده مَدخلًا لا مَخرجًا يعكس خلق الله، والله سبحانه وتعالى يأبى أن يُحلّ هذا الحرام. ولذلك نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا [أي إتيان الدبر].

حكم طلب المرأة الطلاق إذا تكرر اعتداء الزوج بإتيان الدبر

وإذا تحامق الرجل وفعل هذا [أي إتيان الدبر] فعليه بالتوبة.

وتسأل بعض النساء: إذا تكرر منه ذلك الاعتداء، فهل لها أن تطلب الطلاق؟

فلها ذلك؛ في الفقه الإسلامي يُجيز لها أن تطلب الطلاق من زوجها الذي يأتيها من الخلف.

تعظيم شأن الأسرة وتقديمه على طلب الطلاق بسبب هذا الذنب

وتستشير [المرأة] وتقول: فهل أطلب الطلاق؟ وهنا تتعاظم عندنا أمور الأسرة فنقدّمها على هذه الذنوب والقاذورات والمعاصي، ونقول لها: إن صبرك على الأسرة خير لك من طلب الطلاق.

فهناك فرق بين الحرام [وهو إتيان الدبر] والتعامل معه؛ والتعامل معه ينبغي أن يكون فيه ارتكاب أخفّ الضررين. فنقول لهذا الرجل: اتقِ الله، ولكن أيضًا نقول للمرأة: إن مراعاة أسرتك أهمّ بكثير من هذا الأمر.

موقف جمهور أهل السنة من تحريم إتيان الدبر وخلاف الجعفرية

جمهور أهل السنة والجماعة بل كلهم على أن ذلك [إتيان الدبر] حرام، إلا أن ذلك ليس محلّ اتفاق في الفقه الإسلامي الواسع؛ فعند السادة الجعفرية يُجيزون شيئًا من هذا بتفاصيل عندهم.

ولذلك ونحن نُقرّ الحرمة ونُفتي بها، ونأمر الناس أن يبتعدوا عن هذا، وأن يمتثلوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يتمسّكوا بذلك، وأن يحافظوا على طهارتهم؛ لأن الله يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين.

حق المرأة في طلب الطلاق مع تعظيم شأن الأسرة وتقديمه

كما أننا لا ندعو النساء -ولو كان لهنّ، ولهنّ أن يطلبن الطلاق من أجل ذلك- خاصة إذا تكرر، وخاصة إذا نفرت منه، وخاصة إذا آذاها في نفسها؛ فإننا بالرغم من ذلك نُعظّم شأن الأسرة تعظيمًا كبيرًا.

وهذا نوع من التفكير المستقيم [الذي يوازن بين المصالح والمفاسد].

معنى وقدموا لأنفسكم وحديث القبلة رسول بين الزوجين

يقول تعالى:

﴿وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 223]

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

«اجعلوا بينكم وبين زوجاتكم رسولًا»، قالوا: وما الرسول يا رسول الله؟ قال: «القُبلة رسول»

وقدّموا لأنفسكم؛ كلمة بليغة يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا يَقَعَنَّ أحدكم على زوجته كما يقع البعير»

فإن هناك فرقًا بين العلاقة الحميمة التي بين الزوجين وبين الحيوان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى طيّب القلب ولكنه حيوان. والإنسان يجب أن يكون مهذّبًا، ولا يجب عليه ولا يجوز له أن يكون حيوانًا بريًّا.

بلاغة وقدموا لأنفسكم وشمولها للروح والجسد وحسن العشرة

وقدّموا لأنفسكم؛ كلمة بليغة هي غاية في الرقة والروعة والحب والودّ والسكينة والإنسانية.

وقدّموا لأنفسكم؛ كلمة تشمل الروح والجسد والعقل، وتشمل حسن العشرة.

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لنا:

«خياركم لأهليهم، وأنا خيركم لأهلي»

موقف النبي من ضرب المرأة وكونه أسوة حسنة في ذلك

وعندما تمتحن بعضهم في قضية ضرب المرأة فقال له [النبي ﷺ]:

«اضرب، ولن يضرب خياركم»

فبعد أن أباح منع، وبعد أن أتاح قيّد، وبعد أن سمح وجعل ربنا نبيّنا أسوة حسنة؛ فإنه ﷺ لم يضرب زوجة قطّ، ولم يضرب غلامًا قطّ.

فمن أراد أن يتخلّق بخلق النبي المصطفى والحبيب المجتبى فليتّبع هديه، ومن أراد غير ذلك فأمره إلى الله؛ أغلق على نفسه الخير الكثير.

تقوى الله تنشئ الإنسان الصالح وأجر العلاقة الزوجية عند الله

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 223]

ليس فقط في هذه العلاقة [الزوجية]، بل أيضًا قبلها؛ لأن تقوى الله تُنشئ الإنسان الصالح الذي يكون كُفؤًا في هذا المقام. وربط [الله تعالى] هذا بهذا:

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ﴾ [البقرة: 223]

يعني أيقضي أحدنا شهوته ثم يكون له أجر عند ربه يا رسول الله؟ قال ﷺ:

«نعم، أرأيت لو وضعها في حرام»

وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حركة وسكنة من حياتنا الزوجية صدقة، وقال ﷺ:

«حتى اللقمة تضعها في فم زوجتك لك بها صدقة»

بشرى الله للمؤمنين والدعاء بالقبول والرحمة والختام

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 223]

فاللهم قبلنا البشرى منك، فبشّرنا برحمتك يا أرحم الراحمين، وتقبّل منا صالح أعمالنا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.