سورة البقرة | حـ 256 | آية 226 - 227 تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 256 | آية 226 - 227 تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة

7 دقائق
  • الإيلاء هو أن يقسم الرجل على عدم مقاربة زوجته لفترة تزيد عن أربعة أشهر، وقد حدد الله مدة تربص للزوج هي أربعة أشهر.
  • إذا فاء الزوج ورجع عن يمينه، فإن الله غفور رحيم، وعليه أن يكفر عن يمينه.
  • إذا لم يفئ الزوج خلال المدة المحددة، فإما أن يعود للحياة الزوجية أو يعزم على الطلاق.
  • الطلاق رخصة عند الضرورة وهو أبغض الحلال إلى الله، فلا يلجأ إليه إلا عند تعذر الحياة الزوجية.
  • المطلقة تتربص بنفسها ثلاثة قروء، والقرء في اللغة من الأضداد يطلق على الحيض والطهر.
  • اختلاف العلماء في تفسير "القرء" هو اختلاف تنوع وسعة لا تضاد، وهذا من حكمة الله في التشريع.
  • يوضح هذا الاختلاف أن النص الشرعي قطعي الثبوت قد تختلف الأفهام فيه، مما يوسع على الناس في شرعهم.
  • المجتهد هو الوصلة بين الحق والخلق، وهو الموقع عن رب العالمين.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

آية الإيلاء وبداية صفحة جديدة في الحياة الزوجية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 226]

يعني فإن رجعوا عمّا أقسموه في الإيلاء [أي الحلف على ترك معاشرة الزوجة] فإن الله غفور رحيم، ونبدأ صفحة جديدة.

وقصة الصفحة الجديدة قصة تجعل الإنسان لا ييأس من أخطائه ولا من مشكلاته، وكل يوم يجدد إيمانه ويبدأ حياة جديدة؛ ولذلك يصبر على مشاغل الحياة ومشكلاتها، ويتسع صدره لهذه الحياة اليومية.

الخيار بين عودة الحياة الزوجية أو الطلاق مع حفظ الحقوق

﴿وَإِنْ عَزَمُوا ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 227]

يبقى إما أن ترجع الحياة الزوجية إلى سابق عهدها من الوئام والود والحب والعشرة والاستمرار، وإما أن يتم الطلاق محافظةً على حقوق الزوجة.

وإن عزموا الطلاق، حسنًا، لنفترض أنه لم يعزم على الطلاق، فيجب عليه شرعًا أن يفيق وأن يرجع وأن يكفّر عن يمينه الذي فعل [أي يمين الإيلاء]. فإذا لم يفعل فهو آثم ويأخذ الإثم أبدًا حتى يرجع.

وهنا تُمحق البركة من حياته ويدخل في مشكلات لا طائل له حولها.

جهل كثير من المسلمين بأحكام الإيلاء رغم ورودها في القرآن

كثير من المسلمين، وهذا الحكم [حكم الإيلاء] حكم قطعي منصوص عليه في القرآن، وكثير من المسلمين لم يسمع عن الإيلاء. تلتقي رجلًا، تقابل رجلًا كبيرًا وعنده سبعون سنة، وبعد ذلك تقول له: الإيلاء، فيقول: الإيلاء؟ ماذا تعني هذه الكلمة؟ ما هذا الإيلاء؟

يضرب الفقهاء مثالًا على أنه قد يكون الشيء معلومًا من الدين بالضرورة لكن كل الناس لا يعرفونه؛ لأنه أمر خفي كأحكام الإيلاء. فكثير من الناس حتى إذا قرأ القرآن:

﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226]

لا يعرف معنى يؤلون ولا يعرف قصة الإيلاء التي شرحناها في السابق، من أن رجلًا قد أقسم على زوجته ألا يقاربها فوق أربعة أشهر أو مطلقًا.

أحكام الإيلاء معلومة من الدين بالضرورة لورودها في نص قرآني قطعي

هذه القصة، قصة الإيلاء وأحكام الإيلاء، لا يعرفها هذا الإنسان، ولكنها معلومة من الدين بالضرورة لوجودها بصورة قطعية في القرآن الكريم في نص هاتين الآيتين:

﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226-227]

الطلاق كالعملية الجراحية لا يُلجأ إليه إلا للضرورة

الطلاق فيه خراب للبيوت؛ ولذلك فهو كالعملية الجراحية نلجأ إليه إذا ما استدعى الأمر ذلك، فهو رحمة ولكنه شيء شديد؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أبغض الحلال عند الله الطلاق»

وحُكي عن إبليس أنه يجلس في آخر النهار فيأتيه أبناؤه الذين قد بثّهم في الأرض، أحدهم يقول إنه قد وسوس للإنسان ليسرق، أو وسوس للإنسان ليقتل، أو وسوس للإنسان ليزني. وأحدهم يقول إنه وسوس للإنسان فطلّق زوجته، فيقرّبه ويجلسه معه في عرشه.

يعني كان الطلاق يُفرح الشر ويُحزن الخير؛ ولذلك هذا الطلاق لا نلجأ إليه إلا لضرورة فعلية تعذّرت الحياة ولجأنا إليه حتى يغني الله كلًّا من سعته.

عدة المطلقة ومعنى القرء بين الحيض والطهر واختلاف الأئمة

ثم أخذ [الله] في بيان أحكام الطلاق سبحانه وتعالى فقال:

﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ [البقرة: 228]

والقرء في اللغة من الأضداد؛ يُطلق ويُراد منه الحيض، ويُطلق ويُراد منه الطهر. فالمرأة بعد وقوع الطلاق تتربص بنفسها من تاريخ الطلاق لرؤية ثلاثة قروء: ثلاثة أطهار أم ثلاث حيضات؟ اختلاف بين الأئمة؛ لأن القرء في اللغة قد يكون طهرًا وقد يُطلق على الحيض.

وبعضهم قال: القرء يُطلق على الفترة، والفترات قد تكون فترة حيض وقد تكون فترة طهر.

حكمة اختلاف الأفهام في النصوص الشرعية وتوسعة الله على الأمة

وهنا يريد الله منا أن يبيّن أن النص الشرعي قطعي الثبوت قد تختلف الأفهام فيه، وفي ذلك تنوع واختلاف سعة لا اختلاف تضاد، اختلاف يخفف عن الأمة.

بعض الناس يريد أن يكون الدين في رأي واحد فقط، حسنًا، وماذا عندما تضيق الأمور بالناس؟ أين ظروف الناس وأين عصورهم؟

ولذلك من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يأتي بمثل هذه النصوص التي تختلف فيها الأفهام، فيوسّع على الناس شرعهم ويتيح للمجتهدين أن يكونوا الوصلة بين ربهم وبين عباده، إعلام الموقّعين عن رب العالمين [كما سمّاهم ابن القيم في كتابه]. فهناك موقّع عن رب العالمين وهو المجتهد الذي يكون وصلة بين الحق وبين الخلق.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.