سورة البقرة | حـ 26 | آية 2 : 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 26 | آية 2 : 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • قوله تعالى "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" يشير إلى تعظيم القرآن الكريم وتنزيهه عن الشك والتهمة.
  • توجد علامة التعانق في هذه الآية تتيح قراءتها بوجهين: الأول "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" بلا استلزام بين التقوى والفتح، والثاني بالاستلزام.
  • القرآن هدى للمتقين دائماً، فالمتقي يفتح الله عليه بواسطة هذا الكتاب، بينما هو حسرة على الظالمين ومغلق أمام الذين لا يؤمنون.
  • هداية القرآن على ثلاثة أنواع: التوفيق، الدلالة والفهم، وهداية المكان.
  • القرآن يدل على الخير دون إكراه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
  • كلمة "الذين" بعد "المتقين" تأتي صفة لهم، موضحة أنهم يؤمنون بالغيب.
  • عرّف سيدنا علي التقوى بأنها: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل.
  • التقوى ترتبط بالإيمان بالغيب في جميع أركانها.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الدرس والوقوف مع آية ذلك الكتاب لا ريب فيه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات، مع قوله تعالى:

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

وعرفنا أن «ذلك» تأتي للتعظيم، وأن الكتاب إنما هو ذلك الكتاب المعهود حضورًا، أي القرآن الكريم، أو كما ورد في قوله تعالى:

﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]

وعرفنا أن هذا الكتاب مبرأ من التهمة ومن الشك ومن الحاجة؛ لأننا لا نريد به إلا وجه الله، لا نريد به دنيا ولا نريد به أن نتكسب مالًا.

شرح علامة التعانق في المصحف الشريف وحكمها وكيفية الوقف عندها

وهنا ما يُسمى بـعلامة التعانق. وعلامة التعانق في المصحف تراها في صورة ثلاث نقاط بعضها فوق بعض، مكررة مرتين.

وحكمها أنه يجوز لك أن تقف عند الأولى فلا تقف عند الثانية، وإذا وقفت عند الثانية فلا تقف عند الأولى.

ونرى علامة التعانق في المصحف الشريف:

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

ثم علامة التعانق عند ﴿فِيهِ﴾، ثم علامة التعانق [عند ﴿رَيْبَ﴾]. وعلى ذلك فيمكن أن نقرأ هذه الآية على وجهين:

الوجه الأول: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ﴾ — ونقف قليلًا — ﴿فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، وهنا يكون الوقف عند كلمة «لا ريب».

والوجه الثاني: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ — ونقف عند «فيه» — ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾.

الفرق بين الوقف على ريب والوقف على فيه وأثره في معنى الهداية والتقوى

والفرق بينهما أنك إذا قلت: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ﴾ — ووقفت على كلمة «ريب» — ﴿فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، فإنه يكون هداية لبعض المتقين ولا يكون هداية دائمًا للمتقين؛ بل إن بعض المتقين يُغلق عليه.

ولكن إذا قلت: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ — إذا لم تقف على «ريب» ووقفت على «فيه» — ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، فإذا كنت تقيًّا فسوف يفتح الله سبحانه وتعالى لك، فسوف يفتح الله لك في هذا القرآن ما لم تكن تعرفه:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

وعلى ذلك إذا لم يُفتح عليك فأنت لم تصل بعد إلى درجة المتقين.

الفرق بين القراءتين في استلزام الفتح بالتقوى وترجيح المشايخ للقراءة الثانية

فالقراءة الأولى لا استلزام فيها بين وصولك للفتح وبين التقوى؛ بل قد تكون تقيًّا ولم يُفتح عليك بعد.

والقراءة الثانية فيها استلزام بين الفتح وبين التقوى؛ إذا لم يُفتح عليك فلست تقيًّا، لأنك لم تصل إلى الدرجة التي سيعلمك الله فيها بتقواك، وإن كنت مؤمنًا وإن كنت مسلمًا وإن كنت طيبًا، لكن لم تصل إلى درجة التقوى.

وكلا المعنيين صحيح، ولذلك يجوز أن تقرأ هكذا [بالوقف على ريب] وتقرأ هكذا [بالوقف على فيه]. وإن كان غالب مشايخنا يقرؤونها: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ — يقفون على «فيه» لا على «ريب» — فيجعلون هذا الكتاب كله هدى للمتقين دائمًا، وأن المتقي إذا وصل إلى هذه الدرجة فُتح عليه بالهداية بواسطة كتاب الله سبحانه وتعالى.

القرآن هدى للمتقين وحسرة على الظالمين ومغلق أمام غير المؤمنين

وهذا الكتاب كما أنه هدى للمتقين، فهو حسرة على الظالمين، وهو مغلق أمام الذين لا يؤمنون:

﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُٓ ءَاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 44]

فإذن هذا الكتاب هداية، ولكنه هداية للمتقين.

أنواع الهداية الثلاثة ودور القرآن في هداية الدلالة دون الإكراه

كما ذكرنا [فإن الهداية تكون] على ثلاثة أنواع: هداية التوفيق، وهداية الدلالة والفهم، وهداية المكان.

والقرآن يقوم بـهداية الدلالة؛ فهو يدل على الخير، ليس فيه ما يُرغِم؛ إنما هو يدل:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

ومسألة حساب المؤمن والكافر [تكون] يوم القيامة:

﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]

إنما:

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

الرجوع إلى الله يوم القيامة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة في الدنيا

ثم بعد ذلك نرجع إلى ربنا ونعود إليه في يوم ينبئنا فيه بما كنا نعمل، وينبئنا فيه بما كنا نختلف، ويحكم بيننا فيما كنا فيه نختلف، وهكذا.

ولكن القضية هي أن هذه الحياة الدنيا فيها دعوة:

﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]

حقيقة القرآن أنه هدى للمتقين وطريق المنعم عليهم المهتدين

هذه هي حقيقة القرآن: أنه هدى للمتقين، أنه لا ريب فيه، أنه ذلك الكتاب العظيم الذي يحمله من آمن به للناس أجمعين.

فإذا نحن فعلنا ذلك [حملنا القرآن وعملنا به] صرنا على درب الذين أنعم الله عليهم، درب المهتدين. وهو منزه عن أن يغضب الله علينا فيه، ولا أن نضل، ولا أن نتوه ونحتار، كما سألنا الله في الفاتحة [أن يهدينا الصراط المستقيم].

بداية سورة البقرة بوصف المتقين وإعراب الذين كصفة للمتقين

هذا القرآن العظيم يبدأ بهذه الآية العظيمة، أو بالآيتين:

﴿الم ﴿١﴾ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١-٢]

ثم يصف هؤلاء المتقين فيقول: ﴿الَّذِينَ﴾. كلمة «الذين» عندما تأتي بعد معرفة — حيث أن «المتقون» معرفة بالألف واللام — فـ«الذين» اسم موصول تكون صفة للمعرفة؛ فكأنه عندما قال ﴿الَّذِينَ﴾ فهي صفة للمتقين.

من هم المتقون إذن؟ هم الذين يؤمنون بالغيب — ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ﴾ صفة مباشرة.

مثال ذلك قولك: مصر التي في خاطري وفي دمي، تكون «مصر التي» هي على الدوام صفة لمصر. فما صفة مصر؟ إنها في خاطري. فكذلك «المتقين الذين يؤمنون بالغيب».

عناصر التقوى عند سيدنا علي وارتباطها بالإيمان بالغيب

فهذه تكون عناصر التقوى: أن تؤمن بالغيب. ولذلك لما سُئل سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] عن التقوى قال:

«الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل.»

وكلها غيب: الخوف من الجليل سبحانه وتعالى فهذا غيب؛ لأنك لا تراه بعينك. والعمل بالتنزيل مثلما آمنا بالوحي [وهو غيب]. والاستعداد ليوم الرحيل وهو يوم القيامة الذي سنذهب إليه بعد الموت، هو أيضًا غيب.

ولذلك هذه هي التقوى [المرتبطة بالإيمان بالغيب]. وإلى لقاء آخر.