سورة البقرة | حـ 261 | آية 229 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 261 | آية 229 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة

8 دقائق
  • يقول الله تعالى في سورة البقرة: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان"، فيجب على الزوج أن يحسن عشرة زوجته مقتدياً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
  • عند الطلاق ينبغي التسريح بإحسان دون محاسبة أو فضائح، مع تذكر الفضل والمعروف بين الزوجين.
  • كانت وثائق الطلاق في العهد العثماني تتكون من ثلاث فقرات: الأولى افتتاحية بذكر الله والصلاة على النبي لتسلية القلوب، والثانية إظهار محاسن الزوجة وجهودها، والثالثة بيان القدر وإعلان الانفصال.
  • يجب أن يكون الطلاق بتروٍ وهدوء وتخطيط لمستقبل الأولاد والنفقة والترتيبات المعيشية.
  • المجتمع اليوم يشهد تدهوراً في العلاقات الزوجية والطلاق أصبح مليئاً بالمشاحنات والظلم، وهذا يخالف تعاليم الإسلام وحتى سلوك العقلاء من غير المسلمين.
  • الله لا يرضى بالظلم ويحب الرحماء في العلاقات الإنسانية.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

آية الطلاق في سورة البقرة ووجوب الإمساك بمعروف والتأسي بالنبي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ [البقرة: 229]

فلا بد إذا ما استمر الرجل مع زوجته أن يكون شهمًا كريمًا.

قال رسول الله ﷺ: «خياركم خياركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي»

يجب عليه أن يتأسى بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يقرأ سيرته في عشرته مع زوجاته. إمساك بمعروف؛ فإمساك بمعروف.

التسريح بإحسان يعني عدم الفضائح والمحاسبة عند الطلاق

طيب، والتسريح؟ لا ينبغي أن يذهب [الأمر] إلى كثرة الفضائح؛ لا، التسريح يكون بإحسان أيضًا.

﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ [البقرة: 229]

والإحسان شيء زائد على الأصل؛ فعند الطلاق لا يكون هناك محاسبة في الحقوق، ولا في الماضي، ولا ماذا فعلتِ، ولا ماذا لم تفعلي، بل يكون هناك إحسان.

﴿وَلَا تَنسَوُا ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]

وفضل الشيء [أي معناه] الزيادة [في الإحسان والعطاء].

وثائق الطلاق في العهد العثماني وكيف كانت تُكتب بثلاث فقرات

وجدنا في الوثائق السابقة، وثائق الطلاق التي كانت تُسجَّل في المحاكم الشرعية في الفترة العثمانية في مصر، وثيقة الطلاق كتبها الزوج من ثلاث فقرات أو فِقَر بالكسر.

الفقرة الأولى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام [على رسول الله ﷺ].

وما لزوم هذا المدخل؟ كما دخلنا [الزواج] بسم الله نخرج [منه] بسم الله، كما دخلنا ونحن في تأنٍّ وفرح وسرور، نخرج بالإحسان.

ربط أمر الطلاق بذكر الله وحمده والصلاة على النبي لتسلية القلوب

وربط الأمر [بذكر الله] يكون على أحسن ما يكون إذا ما كان بسم الله، ويكون على أحسن ما يكون إذا ما اشتمل على شكر الله، ويكون أحسن ما يكون إذا ما ارتبط بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن ذكر الله وحمده والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تُسلّي القلوب، ولعل أن تكون هذه المرأة مجروحة في مشاعرها، في قلبها؛ فلا بد من تسليتها. فالطلاق مصيبة كمصيبة الموت، ولذلك يسمونه خراب البيوت؛ أي أنه ليس أمرًا لطيفًا.

الفقرة الثانية والثالثة من وثيقة الطلاق العثمانية وإظهار المحاسن والشكر

حسنًا، والفقرة الثانية يشرح لها فيها أنها كانت خير زوجة، ويُظهر محاسنها وجهدها الذي قد بذلته له، ومدى حبه لها؛ أي شيئًا يشبه الغزل.

والفقرة الثالثة يتحدث أن كل شيء نصيب، وروحي أنتِ طالق. ولكن بعد أن يُقدّم مقدمة يُعلن فيها إيمانه، ومقدمة أخرى يُعلن فيها شكره لها، وفي النهاية يُعطيها حكم الانفصال الذي كان.

هل يوجد شيء أجمل من هذا؟ فليتقِ اللهَ ربَّه من أراد الانفصال.

واقع الطلاق المؤلم في مجتمعنا بين الشجار والفوضى وغياب التؤدة

وهذا معناه أن كل حالات الطلاق التي تُعرض علينا خلاف [ذلك]؛ يتمسكون بملابس بعضهم البعض، ويسبّون بعضهم البعض، وهم في الشارع وهم في البيت، وكسر وعمل وكسرت وضربت وضرب. ما هذا؟

معنى أنه [الزوج في الوثيقة العثمانية] جلس يكتب هذا أنه قرار، أنه بتؤدة وبهدوء وبتصوّر: ما الذي سنعمله؟ إن كان هناك أولاد فماذا سنعمل مع الأولاد؟ إن كان هناك تداخلات ولا بد من وجود التداخلات، كيف سنعيش؟ كيف سنعمل؟ ما الأمر في النفقة؟ إلى أين سنذهب وإلى أين سنأتي؟

المقارنة بين الماضي والحاضر في الطلاق وتدهور العلاقات الاجتماعية

فانظروا المقارنة بين ما كان وبين ما عليه الحال الآن؛ فنجد أن المسألة في تدهور، وأن العلاقة الاجتماعية فقدت الودّ، وأن العلاقة الاجتماعية التي كانت مبنية على اسم الله قد نُحِّيَ منها اسم الله. وهذا ما لا يُرضي ربنا.

الذي فيه نحن الآن كيف لا يُرضي ربنا؟ نُقِرّ أن هذا هو الطلاق الذي تحدث عنه الله؟ كيف نُقِرّ أن ما يحدث من هذه المهزلة في مجتمعنا بين الرجل والمرأة هو شرع الإسلام؟ هذا لا علاقة له لا بالدين ولا بالدنيا.

العقلاء ينفصلون بلا مهاترات والله لا يرضى بالظلم والدعاء بالرحمة

فإن العقلاء من غير المسلمين ينفصلون على غير هذه الهيئة من المهاترات ومن المنازعات والمخاصمات والظلم وعدم الإنصاف. والله لا يرضى بالظلم.

فاللهم احشرنا مع الرحماء، واجعلنا من الرحماء في الدنيا والآخرة. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.