سورة البقرة | حـ 262 | آية 229 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة
- •الشريعة الإسلامية تحفظ حقوق المرأة، فقد نهى الله تعالى عن أخذ ما آتى الرجل زوجته من مهر أو هبة.
- •الهبة في الفقه لا يمكن الرجوع فيها إذا كانت بين الزوجين، حتى لو استعملتها الزوجة ضد زوجها.
- •الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحدث توازناً في المجتمع، فيشدد على الرجال إذا زادت النساء وعلى النساء إذا زاد الرجال.
- •الخلع مشروع في الإسلام عند تعذر الحياة الزوجية، كما في قصة المرأة التي جاءت للنبي وأخبرته أنها لا تطيق زوجها.
- •الخلع يكون عندما يخاف الزوجان ألا يقيما حدود الله، ويجب تدخل الأسرة والمحيطين للتأكد من أن الأمر ليس دلالاً أو ظلماً.
- •أمر الله بعدم تجاوز حدوده في مسائل الزواج والطلاق، وحذر من الظلم.
- •الشريعة تهدف إلى إقامة التوازن في العلاقة الزوجية وإنصاف الطرفين.
تلاوة آية الطلاق من سورة البقرة والنهي عن ظلم النساء في أموالهن
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا﴾ [البقرة: 229]
إذا أمرنا ربنا ألا نظلم النساء، وأن لا نأخذ من مهورهن ولا مما قد وهبنا لهن شيئًا.
حكم الهبة بين الزوجين وعدم جواز الرجوع فيها حتى لو أُسيء استعمالها
ولذلك في الفقه، الهبة يمكن الرجوع فيها إلا إذا كانت بين الزوجين؛ فهبة الرجل لزوجته لا تُرد، حتى قالوا: ولو استعملتها في ضرره.
انظر كيف! يعني أنا أحضرت لها هدية مسجلًا، فذهبت تسبني في الشريط ووضعته تُسمعه لي ليلًا ونهارًا تسبني، فأقوم لها: طيب، هاتي إذن هذا المسجل ما دمت قد وهبته لك وبعد ذلك تستعملينه ضدي وفي شتمي.
لا يجوز! انظري كيف لا يجوز أن أسحب منها الهدية [أي الهبة]، حتى لو استعملتها ضدي، وذلك لقوله تعالى:
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا﴾ [البقرة: 229]
أبدًا! بهذا الشكل الشريعة قاعدة تقف مع النساء ضد الرجال.
منهج النبي ﷺ في إحداث التوازن بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات
النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كن يسمعن هكذا [أي تشديد الشرع على الرجال] كن يزدن قليلًا؛ النفس البشرية هكذا آخذة وطالبة. تأتي امرأة تشكو أن زوجها يضايقها أو أنه يضيق عليها أو كذا، فسيدنا رسول الله ﷺ يشدد على الرجال، فالرجال ينكمشون، فالنساء يزدن قليلًا.
فسيدنا رسول الله ﷺ يشد على المرأة [حينئذٍ]. فيجب أن نفهم النصوص المتعلقة بالرجل والمرأة على هذا النحو: أن رسول الله ﷺ يريد من النصين إحداث التوازن في النفس المسلمة بين الرجل والمرأة وفي المجتمع المسلم.
خطأ إخراج النصوص عن سياقها وأهمية فهم مناسبة كل حديث نبوي
بعض الناس أصبحوا يناقشون أمور المرأة ويخرجونها منفردة [عن سياقها]. قوم هو [أي النبي ﷺ] قال لها:
«لو كان لأحد أن يسجد لغير الله لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها»
نعم، قال هكذا، نعم، ولكن قالها أين ومتى؟ قالها عندما زادت المرأة قليلًا [في التمادي على حقوق الزوج].
وقال ﷺ:
«خياركم خياركم لأهليهم، وأنا خيركم لأهلي»
وهكذا إلى آخره، [قالها] عندما زاد الرجل قليلًا [في التشدد على المرأة]، يقوم ﷺ بعمل توازن.
فافهم أن الشريعة تريدك أن تكون مهذبًا، وأيضًا تكوني أنتِ مهذبة؛ فالتكليف للاثنين، والحياة إن لم يفهماها [أي الزوجان] محدودين يحملانها اثنان.
تحذير المرأة من التمادي بعد أن كفل لها الشرع حقوقها من الزوج
﴿إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 229]
هذا بعد ما أعطاها [حقوقها] ومنع الرجال [أن] يظلمون، [قال لها]: احذري أيتها المرأة! بهذا الشكل اطمأنت وقالت: حسنًا.
إذا لم أُخرب بيتك لم أعد أنا [مقصرة]، فقال لها: إلا احذري أن تكوني من هؤلاء [المتجاوزات لحدود الله]، كوني من القانتات الحافظات.
مشروعية الخلع إذا خافا ألا يقيما حدود الله وضوابطه الشرعية
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]
يبقى الخلع، هذا عندما تكون المرأة متضايقة تمامًا ومتضايقة من غير سبب [ظاهر]، قالت له: نحن لو استمررنا مع بعضنا البعض لست قادرة على أن أوفيه، كيف أوفي حقك؟ أنت لك حق وأنا لست أعرف [كيف أؤديه].
قصة امرأة ثابت بن قيس التي طلبت الخلع من النبي ﷺ لعدم طاقتها
في حالة أخرى جاءت المرأة [زوجة ثابت بن قيس] إلى النبي ﷺ وقالت له هكذا، قالت له: إنني لا آخذ عليه شيئًا في دينه، لا تقل لي إنه مسلم وحسن وطيب وابن حلال، أنا أعرف كل ذلك، ولكنني أكره الكفر بعد الإسلام [أي أخشى التقصير في حق الزوج فأقع في الإثم].
ستخنقونني! سأكفر [بنعمة الله]! رأى النبي ﷺ في عينيها تعبًا، ما الذي ستتركونني مع الرجل؟ سأكفر! كالتي تأتي لتقول: سأشعل في روحي، سأنتحر!
نحن لا... نحن لسنا نريد الأمور تسير هكذا، إننا نريد الأسرة تتم والرباط المقدس وكل هذا جميل، لكن حتى تصل إلى أن الإنسان يختنق، لا!
حوار النبي ﷺ مع المرأة التي أقرت بفضل زوجها لكنها لا تطيقه
[فقال لها النبي ﷺ]: تعالي يا ابنتي، ما الأمر؟ قالت له: ليس هناك شيء [أعيبه عليه]. نعم، فعل ماذا؟ حسنًا، لكي نقول له مثلًا: ضربك؟ نقول له ألا يضربك، دخل عليك [بسوء]؟
قالت له: أبدًا! مائة في المائة، كل شيء مائة في المائة. أكرهه! لا أطيق أن أراه. هذا كلامنا [أي بالمعنى]، غير موجود في الحديث [بهذا اللفظ].
أراه... أرى قردًا أمامي! لا أطيق! ماذا أفعل أنا إذن؟ حسنًا، قطعوني قطعًا! كأنها تقول هكذا [أي افعلوا بي ما شئتم لكن لا تُبقوني معه].
حكم النبي ﷺ بالخلع وأمره الزوج بأخذ المهر وتطليقها
فقال [النبي ﷺ]: حسنًا، وبعد ذلك: تعال يا رجل، أنت لم تفعل شيئًا والمرأة تشهد لك. قال: حسنًا، أنا يعني يا رسول الله، كلما أعطي مهر الواحدة تقول لي: لا! أنت في الأصل قبيح، لست وسيمًا، لست فلانًا الفلاني، لست علانًا العلاني.
حسنًا، أنا فارغ [أي ماذا أفعل] الآن! قالوا [أي حكم النبي ﷺ]: لا، لك حق، خذ الذي دفعته وطلقها.
«ردي عليه الحديقة وطلقها تطليقًا» [أي أمر النبي ﷺ بالخلع]
ففعل [ذلك].
الخلع في كتاب الله ودور الهيئة الاجتماعية في التحقق من استحالة العشرة
إذا الخلع موجود في الكتاب [أي القرآن الكريم]، ها هو يقول ربنا:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: 229]
ليس "فإن خاف"، إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، وبعد ذلك ذهب [الخطاب] قال:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: 229]
الله يعني الهيئة الاجتماعية دخلت: الأب والخالة والأسرة وهذه الأسرة، ﴿إلا أن يقيما حدود الله﴾ ووجدتم أنهم فعلًا قد انغلقت عليهم الأمور، وأن هذا ليس دلال بنات ولا ظلم رجال ولا شيء، والكبار يفهمون هذه الأمور.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]
انظر إذن الشدة؛ فهو يشدد على الرجال وعلى النساء أيضًا.
التحذير من تجاوز حدود الله والدعاء بالإنصاف بين الرجل والمرأة
إياكن أن تتلاعبن، فلا تتجاوزن حدود الله! الكلام الذي نقوله هذا ليس بهزل.
﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 229]
والظلم ظلمات يوم القيامة.
نسأل الله أن يعلمنا الإنصاف أولًا من أنفسنا، وثانيًا لقومنا وأهلنا.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
