سورة البقرة | حـ 263 | آية 230 -231 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة
- •شرع الله الطلاق في حدود معينة، فهو مرتان، وإن وقعت الطلقة الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
- •يمكن للزوجين العودة بعد طلاق الزوج الثاني إن ظنا أنهما سيقيمان حدود الله بحسن العشرة.
- •كانت المسيحية قد منعت الطلاق مما تسبب في مشكلات اجتماعية، فاضطروا لما يسمى بالطلاق المدني.
- •اختتم الله آية الطلاق بقوله "يبينها لقوم يعلمون" ولم يقل "يتقون" أو "يحسنون"، مما يشير إلى أهمية العلم والبحث في النفس البشرية والاجتماع البشري.
- •القرآن كتاب هداية يرشد إلى العلم وسبل الوصول للحق.
- •أمر الله بإمساك المطلقات بمعروف أو تسريحهن بمعروف دون إمساكهن ضراراً.
- •حذر الله من اتخاذ آياته هزواً، فأمور الزواج والطلاق ليست هزلاً بل تستدعي الجدية.
- •ذكّر بنعمته وما أنزله من الكتاب والحكمة، وأنه عليم بكل شيء.
مقدمة الدرس وبيان أن الطلاق مرتان وحكم الطلقة الثالثة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم فهّمنا مرادك من كتابك.
فمع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعدما بيّن لنا أن الطلاق إنما هو مرتان، فقال:
﴿ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]
فإن طلّقها -يعني الطلقة الثالثة- فقد أصبحت ثالثة:
﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]
حتى تنكح، يعني غاية إلى أن تنكح زوجًا غيره. فإن طلّقها -يعني ذلك الزوج الآخر الثاني- هذا، فلا جناح عليهما على الأول والمرأة التي [هي] موضوع الكلام أن يتراجعا.
شرط التراجع بين الزوجين وإقامة حدود الله بحسن العشرة
متى [يجوز لهما أن يتراجعا]؟ ليس لأجل أن يلعبا، كفى هكذا!
﴿إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 230]
وأن يقيم كل شخص منهم شرع الله والأوامر والنواهي والآداب بحسن العشرة.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 230]
الطلاق في الإسلام مقارنة بالمسيحية وظهور الطلاق المدني في الغرب
الطلاق من شريعة الإسلام، وقد كان في الشريعة الموسوية؛ لمّا جاءت المسيحية منعت الطلاق. سبّب هذا [المنع] مشكلات في العالم، هذه المشكلات اضطرتهم إلى أن يوجدوا ما يُسمّى بـالطلاق المدني؛ ليذهبوا ليتزوجوا في مجلس المدينة ويطلّقون في مجلس المدينة.
وأصبح التعدد قرين للطلاق؛ التعدد الذي أباحه ربنا مع بقاء الأسرة قرين للطلاق مع واحدية الزوجة. فالرجل يتزوج ويطلّق، ويتزوج ويطلّق، ويتزوج ويطلّق، ويتزوج ويطلّق!
هذا الذي يحدث الآن منذ خمسين أو ستين سنة. كانوا هم يشتمون الإسلام والمسلمين يقولون: يا الله! هذا تطلّقونهن؟! فلم تعد تقولونها الآن؛ لأنهم اضطروا إلى الطلاق.
دلالة اختيار لفظ يعلمون في الآية وأهمية العلم والدراسات الإنسانية
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 230]
لم يقل "يتقون"، لم يقل "يحسنون"، لم يقل كذلك "يتفكرون"، قال "يعلمون". فتبقى [هذه الأحكام] مبنية على العلم.
والعلم يبقى لازمًا أن تعملوا دراسات على الإنسان، على الرجل، على المرأة، على النفس، على اجتماع البشر. لازم تعمل إحصائيات، لازم تعمل تصورًا للمآلات.
ما هي الأقوام التي تتعلّم [من هذه الآيات]؟ ولم تقل "فكّر"، يعني اجلس هكذا وفكّر في هذه الحكاية. وأقول: نعم، فيها أيضًا حكمة كذلك، ولكن هذا العلم لا بدّ من مقتضيات ذلك العلم: من البحث في النفس البشرية، من البحث في الاجتماع البشري، من البحث في هذه المآلات بالإحصاءات بالدراسات وهكذا.
القرآن كتاب هداية يرشد إلى العلم وليس كتاب علوم تجريبية
وهذا ما لا علاقة له بأن القرآن هو كتاب علوم؛ أي لا، هذا كتاب هداية يرشدني إلى العلم؛ لأن العلم هذا أحد السلطات -سلطة المعرفة-. العلم هذا مصدر من مصادر البرهان والحجة، العلم هو الذي يوصلني إلى الحق.
فهو وهو يهديني إلى الحق يرشدني إلى وسائل الحق. لكن لا توجد إحصاءات عن الزواج والطلاق [في القرآن]، ولا توجد طريقة لعمل هذه الإحصاءات، ولا توجد مقتضيات لعلم النفس؛ وإنما توجد إرشادات ودلالات توجّهني إلى دراسة النفس البشرية.
حكم إمساك المطلقة بمعروف أو تسريحها وتحريم الإضرار بها
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: 231]
الذي هو الثلاثة القروء [أي قاربن انتهاء العدة]:
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231]
فيكون إما أن تمسكها قبل انتهاء العدة، وإما أن تسرّحها نهائيًا وينتهي هذا المشهد، ولتجرّب غيره؛ يُغني الله كلًّا من سعته.
﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]
وهذا أيضًا تكليف على الرجل؛ أنه إذا لم يستطع أن يستمر في الحياة [الزوجية] فلا يضرّ المرأة، فإن لم يستطع أن يعطيها حقها فليسرّحها؛ لعل الله أن يرزقها خيرًا منه.
النهي عن إمساك الزوجة للإضرار بها وأن ظلمها ظلم للنفس
﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة: 231]
إنما تمسكوهن لتقيموا حدود الله؛ من أجل أن تنفّذوا ما أمركم الله به من حسن العشرة.
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 231]
قبل أن يظلم هذه المرأة. والذي يظلم نفسه يعني أدخل نفسه في الظلمات.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: 231]
والله لو أن أحدنا كان لديه عقل وقرأ هذه الآيات لاقشعرّ جلده وقلبه وفؤاده وجسده من هذا [التحذير الإلهي]!
التحذير من الاستهانة بآيات الله والأمر بتذكر نعمة الكتاب والحكمة
﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: 231]
هذه الحكاية ليست هزلًا ولا تريد استهانة. معظم الناس يا إخواننا مستهينون الآن، يجب أن نغيّر أنفسنا! لقد أصبحت فضيحتنا واضحة جلية؛ لأننا لم نقف عند هذه الكلمات المنيرات البيّنات:
﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: 231]
اكتبوها، علّقوها، انظروا بالليل والنهار! الحكاية ليست لعبة.
﴿وَٱذْكُرُوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 231]
ما هذا كله؟! هذا في آية واحدة!
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 231]
وعارف نيّتكم، وعارف عقولكم كيف تسير، وما قصتكم.
اللهم اجعلنا من المتقين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
