سورة البقرة | حـ 264 | آية 232 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 264 | آية 232 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة

8 دقائق
  • الآية الكريمة في سورة البقرة تنهى الأولياء عن منع النساء من العودة لأزواجهن السابقين بعد انتهاء العدة إذا تراضوا بالمعروف.
  • الولي سواء كان أباً أو أخاً يجب ألا يقف في طريق المرأة التي تريد العودة لزوجها بدافع الكرامة الشخصية.
  • على الولي أن يرعى مصلحة ابنته أو أخته، لكن ليس لدرجة منعها من العودة إلى زوجها وأولادها.
  • استقرار المرأة مع زوج واحد أزكى وأطهر لها نفسياً من التنقل بين الأزواج والفشل المتكرر.
  • الله أعلم بالنفوس ومصالح العباد، فالبشر يعلمون ظاهراً من الحياة فقط.
  • الهداية بيد الله وحده، والتوكل عليه أساس لنجاح الطاعة.
  • الآيات انتقلت من أحكام الطلاق والانفصال إلى أحكام الرضاعة والطفولة.
  • العلاقة بين المطلقين تظل قائمة من خلال الأولاد والنسب مهما حصل الانفصال.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية النهي عن عضل النساء من العودة لأزواجهن

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232]

قصة واقعية عن أب منع ابنته من العودة لزوجها بعد انتهاء العدة

انتهت العدة [عدة المرأة المطلقة]، وبعد ذلك تكلما مع بعضهما بالهاتف، اشتاق إليها واشتاقت إليه. وهو أثناء الخلاف اشتدّ قليلًا على والدها، ووالدها اشتدّ قليلًا عليه، وكل هذا لمصلحة البنت.

فالبنت هي التي جلبت الكلام، وبعد ذلك قالت له: أريد أن أرجع إليه يا أبي، أرجع إليه يا أبي! شيء يُخجل! ولذلك في الصعيد يقول لك: والله إن إنجاب البنات عار.

لماذا؟! لأنه معتاد على مجلس الرجال، ومجلس الرجال هذا يجب فيه أن تمضي الكلمة ويجب تنفيذها. قال له: ليس بهذه الطريقة، اصمت قليلًا! الله يؤدبنا! ما هذا؟! البنات عار وليس عارًا؟! ما هذا الكلام السيء؟!

عتاب الأب على موقفه ونهي القرآن عن منع المرأة من العودة لزوجها

قال [الأب]: ما هو أخجلني وجعلني أشتم الرجل وأفعل وكذا إلى آخره، وفي النهاية: أرجع إليه يا أبي، أرجع إليه!

طيب، لماذا لم تتمالكي أعصابك بما أنكِ تحبينه هذا الحب كله؟ فربنا قال لنا: لا بأس، تحمّل أنت [أيها الولي]. يقول [الله تعالى] ماذا؟

﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232]

قالت له: أنا أريد أن أرجع إليه يا أبي. طيب، الحمد لله يا بنتي.

﴿إِذَا تَرَٰضَوْا بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232]

نهي الولي عن الوقوف في طريق ابنته انتصارًا لكرامته الشخصية

طالما اتفقوا أنهم لن يفعلوا ذلك [الخلاف] مرة أخرى، لن يجلبوا مشاكل، عرفوا الأخطاء التي كانت بينهم ويرغبون في إصلاحها، سيقيمون حياة جديدة إن شاء الله.

لا تقف أنت أيها الولي — الأخ أو الأب — في طريقها، خاصة انتصارًا لكرامتك أنت. ابقَ ترعى أختك أو ترعى ابنتك، ولكن ليس بالدرجة التي تمنعها من أن تعود إلى زوجها أو إلى أولادها أو ما إلى ذلك.

هذا الكلام:

﴿ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [البقرة: 232]

الإيمان بالله واليوم الآخر يدفع الولي لترك الفتاة ترى مصلحتها

أنت مؤمن، بماذا؟ بالله واليوم الآخر. اعمل هكذا: اضغط على نفسك ودع الفتاة ترى مصلحتها.

خذ إذن الجانب الآخر النفسي، إذن:

﴿ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة: 232]

هكذا، إنها تبقى مع رجل واحد أزكى وأطهر. وفعلًا الفتاة من داخلها أزكى وأطهر لها من أن تنتقل من زوج إلى زوج، ثم تفشل مع هذا، ثم تذهب إلى ذلك، ثم تفشل مع هذا، ثم تذهب إلى ذلك.

الأزكى والأطهر للمرأة أن تعود لزوجها الأول الذي تعرفه

إذا كانت المسألة مبنية على الفشل فالفتاة هكذا نفسيتها لا تبقى مرتاحة، ولكن الأزكى والأطهر أن توافق على أن ترجع إلى زوجها الأول الذي تعرّفا على بعضهما البعض نفسيًا وحياتيًا وواقعيًا على بعضهم، وتعوّدوا على بعض.

﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 232]

أيضًا هذه نريد أن نكتبها وتبقى أمامنا هكذا دائمًا:

﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 232]

علم الله المحيط بالنفوس البشرية وتعقيدات الاجتماع البشري

ماذا تعلمون؟ أنتم تعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، لكن الحقيقة إذا ما تدخلت فيها النفس البشرية والتقاطعات بين تلك النفوس جميعًا، والاجتماع البشري بتعقيداته وتركيباته، إذا ما وصل الأمر إلى هذا لا يبقى [إلا]:

﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 232]

إذا وصلنا إلى هذا فذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم النفوس وهو الذي خلقها، وأهم من ذلك أنه هو الذي يهديها.

الهداية بيد الله وحده والطاعة المؤسسة على التوكل عليه سبحانه

فالهداية ليست بيدك ولا بيد أحد، ولا أنت تهدي أحدًا، ولكن الله هو الذي يوفقك. فإذا أطعناه فلن تكون هذه الطاعة مؤسسة على العلم فقط، بل إنها تكون مؤسسة على العلم متوكلة على الله الهادي الموفق، الذي يخلق المستقبل ويزيل العوائق ويهدي ويبارك.

ولو أتينا بها بحساباتنا نحن لكانت قاصرة، ولم يكن هناك عهد من الله أن يبارك أو أن يهدي. وهنا يدعو أهل الله بهذه الدعوة:

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك. أقل من طرفة العين؛ لأنه لو وكلنا إلى أنفسنا لم نقم بها؛ لأننا نقوم بالله وهو يقوم بنفسه، لا يحتاج إلينا ونحن نحتاج إليه.

ملخص أحكام الانفصال في سورة البقرة من الإيلاء إلى الطلاق

هكذا انتهت أحكام الانفصال في ذاتها، أحكام الانفصال التي بدأت بالإيلاء ثم بعد ذلك بالطلاق، إذا ما أراد أن يطلق:

﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ [البقرة: 228]

﴿ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]

﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231]

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْا بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232]

الانتقال من أحكام الطلاق إلى أحكام الرضاعة وحقوق الطفولة

وانتهى من أحكام الطلاق. فلو حصل الطلاق لحصل، والعلاقة قائمة بولد بينهما، والعلاقة قائمة بنسب بينهما. كما قلنا إنه لا يجوز أن يتزوج أمها ولا بنتها ولا كذا إلى آخره، فالعلاقة قائمة مهما كان الانفصال قد تم.

فخرج من هذا إلى قوله تعالى:

﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]

وانتقل إلى أحكام الطفولة البريئة الشريدة بينهما ليقرر فيها حكمًا. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.