سورة البقرة | حـ 268 | آية 233 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 268 | آية 233 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تناول النص مبدأ قرآنياً في قوله تعالى "لا تكلف نفس إلا وسعها" الذي يصلح عنواناً في جميع العلوم والمجالات.
  • المبدأ يعني المطالب الأولى أو أبجدية التفكير والعمل البشري، والتي تصلح لكل الجوانب والعلوم والمكونات العقلية.
  • العبارة القرآنية فيها أسلوب القصر والحصر، إذ نفت التكليف إلا في حدود الوسع فقط.
  • تطبيق هذا المبدأ يعني أن يبذل المرء ما في وسعه من العطاء والعمل والعلم والجهاد.
  • من الحكمة ألا يكلف الإنسان نفسه ما لا يطيق حتى لا يفشل ويُحبط.
  • الوسع يعني أقصى ما تستطيع النفس أن تعطي، وليس العمل البسيط.
  • الناس اليوم يهربون من التكليف رغم أن الله بارك فيه.
  • كان الأجداد يبذلون وسعهم، وعرفوا المروءة والشهامة والنجدة.
  • يجب تربية الأطفال على بذل كل ما في وسعهم، وليس على ترك العمل بحجة عدم التكليف.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية الرضاعة من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، نطلب منها الهداية ونطلب منها الصراط المستقيم إلى رب العالمين. يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233]

مفهوم المبدأ القرآني وعبارة لا تكلف نفس إلا وسعها

وهذه العبارة ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ تُسمى بـالمبدأ القرآني؛ فهناك في القرآن عبارات تصلح لأن تكون عنوانًا في كل العلوم: في علوم الاقتصاد والسياسة والاجتماع البشري، في علوم الحضارة والفنون، في بناء الإنسان، في تكوين عقله، في علوم القانون وضبط الأمور بين الناس، في علوم الدين، في علوم الدنيا.

فإنها تمثل مبدأً عامًّا يتجاوز استعمالها في أي جانب دون الجانب الآخر، بل تصلح لكل الجوانب ولكل العلوم ولكل المكونات العقلية.

معنى كلمة مبدأ لغويًّا ودلالتها على أبجدية التفكير البشري

فهذا يُسمى مبدأً؛ كلمة «مبدأ» مصدر ميمي يصلح للدلالة على الزمان والمكان والحدث، يعني نفس البدء وزمن البدء ومكان البدء. فكلمة «مبدأ» يعني المطالب الأولى، أول الحاجة، يعني الأبجدية: ألف باء.

الألف باء هذه نُكوِّن منها الكلمات، ومن الكلمات الجمل، ومن الجمل الفقرات، ومن الفقرات وهكذا يتفاهم البشر. فهذه كذلك أبجدية التفكير، أبجدية الفكر المستقيم، أبجدية العمل البشري:

﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233]

أسلوب القصر والحصر في آية لا تكلف نفس إلا وسعها

حسنًا، وهذه [العبارة] تفعل ماذا؟ «لا» و«إلا» مثل «لا إله إلا الله»، ما معناها؟ هي الحصر والقصر.

فهنا أثبتت التكليف ولكن في حدود الوسع: «لا تُكلَّف» نفت التكليف، «إلا» أثبتت التكليف [في حدود الوسع]. و«لا إله» نفت الألوهية، «إلا» أثبتت الألوهية لله؛ فلا يوجد إله إلا ربنا فقط. فهناك نفي للألوهية ولكن عمّن سوى الله فقط.

وفي [الآية] نفيٌ للتكليف ولكن فيما فوق الوسع، أما في الوسع فيوجد تكليف. حسنًا، في الألوهية يوجد فيها الله؛ إذا أردت أن تدخل على الألوهية ستجد ربنا. أردت أن تدخل على التكليف: يوجد تكليف ولكن في الوسع.

«لا... إلا» هذه سمّوها أسلوب القصر: قصرنا التكليف على الوسع. والحصر: حصرنا التكليف في الوسع.

﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233]

مبدأ يصلح في كل العلوم وكمكوِّن من مكونات العقل المسلم.

تطبيق مبدأ الوسع في العطاء والعمل والعلم والجهاد

ومعنى هذا [المبدأ] أنه ما دام في وسعك العطاء فلتُعطِ، وما دام في وسعك العمل فلتعمل، وما دام في وسعك العلم فلتعلم، وما دام في وسعك الجهاد فلتجاهد.

طيب، إذا لم يكن في وسعك؟

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

ولذلك من الحكمة ألّا تُكلِّف نفسك من البلاء ما لا تطيق؛ فإذا كلّفت نفسك من البلاء ما لا تطيق فشلتَ وأُحبطتَ وهُزمتَ ولم تستمر. ولذلك روِّحوا النفس ساعة بعد ساعة حتى نعرف كيف نُكمل.

تحويل مبدأ الوسع إلى برنامج تربوي للأطفال في المدارس

سنظل نشرح كيف ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وكيف تتحول إلى برنامج لتربية الأطفال في المدارس، ونُفهِم الطفل أنه يجب عليه أن يعمل كل ما في وسعه، وليس معناه ألّا يعمل وأنه لا تكليف.

فإن هذا [القول بعدم التكليف مطلقًا] يساوي في الدلالة اللغوية إنكار الألوهية -والعياذ بالله تعالى-. لمّا نُعلِّم الولد «لا تُكلِّف نفسك إلا وسعها» أي اعمل في عملك، أي على قدر ذلك شيئًا كذلك، أي على قدر مرادك.

معنى الوسع الحقيقي وأنه أقصى ما تستطيع لا أقل ما تقدر عليه

لا، هذا الوسع هنا معناه ما تتسع له نفسك؛ فانظر نفسك هذه تتسع لكم، فينبغي أن تعمل كل ما تقدر عليه، وليس أن تعمل شيئًا بسيطًا وبعد ذلك تقول: يقول لك

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

يا أخي، «وسعها» معناها ماذا؟ النافلة تعني هكذا، تعني الذي لديه، الذي يقدر على فعله. لا، هذا يتحدث عن الوسع، عن آخر ما تستطيع أن تُعطي، ثم بعد ذلك لا تُكلِّف نفسك.

إذن [هو] مبدأ لو جلسنا نتحدث فيه سنُطيل؛ لأنه هو كل شيء.

دعوة لتأمل مبدأ الوسع وتطبيقه في النفس والأبناء والمجتمع

وعلى كل واحد منا أن يتأمل هذا المبدأ في نفسه فيُغيِّرها، وفي أبنائه فيُغيِّرهم، وفي أصحابه فيُغيِّرهم، وأن يبذل ما في وسعه من أجل عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس.

الناس الآن يهربون من التكليف، ولكن الله قد بارك في هذا التكليف؛ فالهروب منه هروب من البركة. وإذا كنا جميعًا جالسين من البركة [بعيدين]، ستبقى كيف؟ فلن تعُد هناك بركة.

الفرق بين زمن الأجداد وزماننا في بذل الوسع والمروءة والشهامة

فلا نشكو بعد الآن ونحصر أنفسنا على الزمن الجميل وزمن الأجداد؛ لأن زمن الأجداد كانوا يعملون فيه وكانوا يبذلون فيه وسعهم.

كان هناك شيء قديمًا يُسمى المروءة، وهناك شيء كان قديمًا أيضًا كذلك يُسمى الشهامة، وهناك شيء قديمًا جدًّا كان اسمها النجدة. كانت هناك أشياء في الماضي هكذا، والأشياء التي تخص الماضي هذه سنتركها لحلقة قادمة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.