سورة البقرة | حـ 270 | آية 233 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •العدل والإنصاف والتوازن أسس أقرها الله في القرآن الكريم في قوله: "لا تكلف نفس إلا وسعها، لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده".
- •العدل مبدأ مستقل عن الأشخاص والقرابات، فلا يجوز بخس حقوق الآخرين حتى مع كراهيتهم.
- •الكذب حرام لأنه افتراء على الله، فوصف ما لم يخلقه الله على أنه خلقه يعد افتراءً عليه.
- •المسؤولية الأسرية واجبة، فلا يجوز أن يكون الولد سبباً في تعاسة والديه.
- •ظاهرة أطفال الشوارع نتجت من استهانة الآباء والأمهات بمسؤولياتهم تجاه أبنائهم.
- •الزواج مندوب لمن يقدر عليه، ويحرم على من لا يستطيع الإنفاق على أسرته.
- •الأحكام الخمسة تعتري الزواج حسب القدرة والاستطاعة.
- •الناس درجات في أرزاقهم: حد الكفاف لتلبية الحاجات الأساسية، وحد الكفاية للتعليم والتطوير، وحد الكفاءة للمهارات المتقدمة.
- •المبدأ العام هو الاتزان والإنصاف والعدل في كل جوانب الحياة.
مقدمة في العدل والإنصاف والتوازن من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233]
﴿لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: 233]
عدلٌ، إنصافٌ، توازنٌ. والله سبحانه وتعالى جعل العدل والإنصاف هو أساس الملك وأساس الحكم.
العدل مجرد عن الأشخاص والقرابات والتحزبات في القرآن الكريم
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]
إذن العدل مجرّدٌ عن الأشخاص والقرابات والأنساب والتحيّزات والتحزّبات؛ هو شيءٌ واحدٌ مستقلٌّ.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 8]
يعني أنكم تكرهون بعض الناس، نكرههم، يقول [الله] لكم: إن كرهتموهم لا تبخسوهم حقّهم، لا تكذبوا عليهم. إذا كرهتموهم فإن الكراهية شيءٌ نابعٌ من سوء العلاقات، من خبرة السنين، من أذية الخلق.
تحريم الكذب لأنه افتراء على الله سبحانه وتعالى
والتضليل بالكذب شيءٌ آخر؛ لأنه قد وصف كونَ الله بما ليس فيه. يقول: حدث كذا وكذا وهو لم يحدث، يعني يقول إن ربنا خلق هكذا وهو لم يخلق، فيكون قد افترى على الله.
فالكذب حرامٌ؛ لأن فيه اختلاقًا على الله، لأن الكذب [هو أن] تحكي عن حادثةٍ وقعت إنما هو من خلق الله، والله لم يخلق هذا [الذي تحكيه]، فكأنك قلت إن الله خلق هذا وهو لم يخلق، فانتهى الكذب إلى الافتراء على الله، فحُرِّم وكان حرامًا.
العدل أساس الملك والإنصاف أساس الحكم بين الناس وحماية الأولاد
العدل أساس الملك، والإنصاف أساس الحكم بين الناس، والتوازن هو المطلوب.
﴿لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: 233]
يبقى أنني طلّقتُ المرأة أو أبقيتها أو كذلك إلى آخره، لا تجعل هذا الولد سببًا في تعاستها، سببًا في افتقارها، سببًا في مشكلاتٍ تدخل عليها؛ حيث إنني قد تركتها من غير رعايةٍ ولا عنايةٍ، وتركتُ الولد كذلك من غير عنايةٍ ورعاية.
ظاهرة أطفال الشوارع نتيجة استهانة الآباء والأمهات بمسؤولياتهم
لو طبّقنا هذا الكلام لما كانت توجد ظاهرة أولاد الشوارع. معظم أولاد الشوارع لهم أبٌ وأمٌّ، لكن ذهبوا إلى هناك [إلى الشوارع] عندما استهان الأب بأبوّته واستهانت الأم بأمومتها.
وما يؤدي إلى ذلك [تضييع الأولاد] محرّمٌ؛ فمن تزوّج وهو ليس لديه نفقةٌ للإنفاق على أسرةٍ فهو حرامٌ.
حكم الزواج يتغير بحسب القدرة وتعتريه الأحكام الخمسة
ولذلك الأئمة في الفقه يقولون: الزواج مباحٌ، وهو مندوبٌ لمن يقدر عليه؛ فمن يقدر على الزواج يكون مندوبًا له، والأصل أن ربنا أباحه، وبعد ذلك جعله مندوبًا لمن قدر عليه.
وتعتريه الأحكام الخمسة؛ أي يمكن أن يكون الزواج حرامًا وهو زواجٌ على سنة الله ورسوله استوفى أركانه؛ لأنك إذا لم تكن قادرًا على الزواج [ماديًّا] فكيف تذهب لتتقدّم للزواج فلا تستطيع؟ فنصل في النهاية إلى قنابل موقوتةٍ تسير على قدمين بعقلٍ بشريٍّ يُسمَّون بأطفال الشوارع. هذه مصيبةٌ.
تحريم زواج غير القادر والتفريق بينه وبين حديث التناكح والتكاثر
ولذلك حرّم الفقهاء أن يتزوّج غير القادر على الزواج. طيّب، وإذا تزوّج فلا يُنجب؛ لأنه غير قادرٍ على النفقة.
ونبدأ إذن [في بيان] الخلط ما بين هذا [الحكم] وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «تَنَاكَحُوا تَكَاثَرُوا فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
بلا شكٍّ أن النسل واتّزانه من قوة الأمة، ولكن بلا شكٍّ أن من يُقدم على الزواج من غير طَوْلٍ -كذلك يسمّيه القرآن- والطَّوْل كلمةٌ تعني القدرة على الإنفاق، فهو مجرمٌ هذا بلا شكٍّ.
خلط الأوراق من المتطرفين وعدم مضارة الوالدة والمولود له بولده
وهذا بلا شكٍّ خلطُ الأوراق واللبسُ المستمرّ من قِبَل المتطرّفين هنا، والمتطرّفون هنا لا علاقة له [ما يقولونه] بالدين ولا بالعلم.
﴿لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: 233]
لا تطالبوه فوق طاقته؛ بحيث أنه وهو غير مستطيعٍ على أن يُنفق فوق ما يُنفق، لأنه يبذل إلى غاية ما في وسعه، [فلا تدفعوه إلى] أن يذهب إلى الحرام. فيبقى هنا لا أُضيّع الولد ولا أُضيّع المجتمع.
درجات الناس في أرزاقها بين حد الكفاف والكفاية والكفاءة
هناك حدّ الكفاف، هناك حدّ الكفاية، هناك حدّ الكفاءة. الناس درجاتٌ في أرزاقها:
- حدّ الكفاف: الذي يستقيم به جسدنا؛ لنأكل ونشرب ونتداوى وما إلى ذلك، في حدّ الكفاف.
- حدّ الكفاية: ونتعلّم أيضًا ونتدرّب ونعرف قليلًا هنا وقليلًا هناك.
- حدّ الكفاءة: إذا ركب الخيل وعرف السباحة وتعلّم اللغات وهكذا في درجاتٍ.
لكن القاعدة والمبدأ:
﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233]
خاتمة في أمر الله بالاتزان والإنصاف والعدل في حياتنا كلها
إذن أمرنا الله سبحانه وتعالى بالاتّزان، بالإنصاف، بالعدل في آياته الكريمة في كلّ حياتنا.
وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
