سورة البقرة | حـ 272 | آية 233 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 272 | آية 233 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تتحدث الآية في سورة البقرة عن الرضاعة ونفقة الأولاد، حيث أوجب الله على الوالد (المولود له) رزق المرضعات وكسوتهن بالمعروف حسب الوسع والطاقة.
  • قوله تعالى "وعلى الوارث مثل ذلك" يشير إلى مضمون ما سبق من الرعاية والنفقة التي كانت واجبة على الأب.
  • اختلف في معنى الوارث على قولين: الأول أنه الوارث بالفعل الذي أخذ من التركة فعليه النفقة لأن الغنم بالغرم.
  • القول الثاني أنه الوارث بالقوة، أي من يستحق الإرث لو كان هناك مال، فيجب عليه النفقة حتى لو لم يأخذ شيئاً لكونه من العائلة.
  • المعنى الأول مادي يعتمد على الأخذ والعطاء، والثاني إنساني يقوم على التكافل الأسري وقوة الترابط العائلي.
  • الأسمى والأعلى هو المعنى الإنساني الذي يحقق البركة، وترك الإنسانية سبب لزوال البركة.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة تفسير آية الرضاعة والنفقة من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، وفي قوله سبحانه وتعالى في تلك الآية العظيمة:

﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233]

وهي آية كبيرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى فيها:

﴿وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: 233]

معنى اسم الإشارة ذلك في قوله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك

ثم يقول [الله سبحانه وتعالى]:

﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 233]

ذلك إشارة، وعندما تأتي الإشارة يقولون عليها ماذا؟ أشارت إلى مضمون ما سبق. وما معنى مضمون ما سبق؟ يعني المعنى الذي قام في ذهنك من الكلام السابق لكلمة "ذَٰلِكَ".

وعلى الوارث مثله، ذلك يشير إلى ماذا؟ ذلك يبقى يشير إلى ماذا؟ إلى علبة فيها معنى، تفتح العلبة هكذا فتجد بداخلها المعنى. ماذا؟ هذه العلبة هي الألفاظ التي من بداية الآية حتى الآن، هذه الألفاظ دالة على ماذا؟ على معانٍ شرحناها: أن الوالدات يرضعن أولادهن، وبعد ذلك هناك كسوة مكلف بها الرجل، وفيه رزق مكلف به.

وجوب النفقة على الوارث كما كانت في عنق الأب المتوفى

وعلى الوارث مثل ذلك، يبقى مثل مضمون ما سبق من الرعاية والعناية والنفقة التي كانت في عنق المولود له [أي] الزوج، يعني الأب صاحب الطفل، هذا عليه نفقة.

فإن مات [الأب]، هل نترك المرأة فتتعذب؟! قال: لا، دعها كما هي. نحن نُعذب الرجال فقط -قالها الشيخ على سبيل الدعابة يقصد بها تكليف الرجال بالنفقة- لا نهين النساء، نجلس ندللهن هكذا، إلى أن نرى عاقبة ذلك ماذا؟!

لكن الرجل هو الذي عليه أن يعمل. طبعًا قد تكون في مجتمعاتنا أشياء سيئة أخرى: أننا نهين النساء والرجل هو الذي لا يعمل! نعم، لكن هذا ليس إسلامًا بعد، هذا شخص يعاند الإسلام ويعاند آيات الله ويعاند طبيعة الخلق ويعاند.

وجوب الالتزام بأحكام الإسلام في النفقة وعدم اتخاذ آيات الله هزوا

ولذلك هذا الكلام لا يؤخذ منه أننا على خير ما دمنا مسلمين فنحن نفعل ذلك. لا، بل هو الإسلام الذي يأمر بذلك [بالنفقة والرعاية]، ويجب عليك أيها المسلم أن تفعل ذلك، وإذا لم تفعل فتلك حدود الله كما قال ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: 231]

كما قال ربنا سبحانه وتعالى، فلا بد لنا أن نتوب من هذه الحالة ونرجع ونخرج منها؛ لأنها إثم وحرام أن تضيع المرأة كضياع الأيتام على مائدة اللئام -مثل عربي شهير يُضرب لتصوير أقصى درجات الذل والضعف وفقدان النصير-.

مثال تطبيقي على نفقة الوارث حين يرث من تركة المتوفى

﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 233]

فمن الذي سيقوم بالغُنم مقابل الغُرم؟ هل الرجل الذي مات هذا عنده أموال [و] الناس ورثتها عنه؟ قد يكون هناك ميراث وقد يكون فقيرًا لا ميراث له.

فإذا كان فيه ميراث وأنا أخذته -لأني أخوه أدخل في الورث- مثال: رجل وامرأة ولهما ابنة، مات الرجل، فالابنة أخذت النصف والزوجة أخذت الثمن، وله أخ فأخذ الباقي من التركة، الذي هو عم الابنة.

ماذا يفعل إذن؟ يجب أن ينفق على هذه الفتاة. ألم تأخذ أموالًا؟ لقد أخذت ميراثًا.

﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 233]

الفرق بين الوارث بالفعل والوارث بالقوة في وجوب النفقة

الوارث بالفعل أم الوارث بالقوة؟ ما هو الوارث بالقوة هذا؟ قال: يعني لا توجد أموال تركها هذا الرجل، مات فقيرًا لا يملك شيئًا، وأنا كنت وارثه لأنني أخوه، لو كان ترك شيئًا كنت سآخذ الباقي.

الثلاثة أثمان الباقية ما هي؟ الأم أخذت اثنين [أي الثمن] والبنت أخذت أربعة أثمان [أي النصف]، يبقى أنا سيتبقى لي ثلاثة أثمان. فأنا وارث، لكن الحمد لله الميراث هذا كان كم؟ صفر؛ لأنه ما يوجد شيء.

فهذا الوارث بالقوة، يعني صنفه أنه وارث، يعني يصح أن يكون وارثًا، يعني أن صفته أنه وارث، لكن هناك أمر دخل فيه: ما دام أنه لا توجد تركة. والوارث بالفعل لأنه توجد تركة دخلت [في يده].

الخلاف الفقهي بين من يوجب النفقة على مطلق الوارث ومن يقصرها على الآخذ فعلا

يمكن أن يقول لك أحدهم أن مطلق الوارث [يجب عليه النفقة]، يقول: "وعلى الوارث" [أي كل وارث]. ويمكن أن يقول لك آخر: لا، هذا الوارث فعلًا [الذي أخذ من التركة] ولكنه الذي عليه هذه القضية [أي النفقة].

لماذا؟ قال: لأن الغُنم بالغُرم -قاعدة فقهية-، أنت أخذت أموالًا فيجب أن تنفق. والآخر قال: إنه لم يأخذ شيئًا، فمن أين سينفق؟

حسنًا، هذا معنى المعنى الثاني وهو الوارث بالقوة وبالفعل. لماذا تجعل الذي لم يأخذ يدفع؟ قال: لأنه عمها يا أخي، لأنه جدها يا أخي، لأنه من العائلة. والله أنت أيضًا تنظر إلى وحدة العائلة والأسرة وقوة التكافل. قال: نعم، حتى لو لم يأخذ، حتى لو لم يأخذ، ما دام قادرًا فلا بد في عنقه أن يقوم بذلك.

المقارنة بين التفسير المادي والإنساني لآية النفقة على الوارث والدعوة للإنسانية

ما رأيك أن المعنى الأول -إذا حصرنا الوارث في الآخذ فقط- معنى مادي: أخذ وأعطى. والمعنى الثاني هذا معنى إنساني: الوارث الذي أخذ والذي لم يأخذ.

هذا معنى إنساني، وأنت تفسر القرآن في عصرنا الذي نحن فيه، هذا يمكن أن تفسره على مستويين: يمكن أن تفسره على مستوى تكون النظرة فيه ذات طابع مادي، ويمكن أن تفسره على مستوى تكون فيه النظرة ذات طابع إنساني. والأسمى والأعلى والأجل هو الإنسانية.

فلنفترض الغضب اشتد بين الناس والقلوب أُغلقت، فيمكن أن ننحدر قليلًا، ولكن في الحقيقة هذا انحدار. في الحقيقة هذا نوع من أنواع ترك الإنسانية، نحن جالسون نتركها خطوة بخطوة ودرجة درجة.

فندعو الله أن يردنا إلى إنسانيتنا وآدميتنا كي يكرمنا وكي يبارك؛ لأن البركة تزول مع ترك الإنسانية ومع ترك الآدمية. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.