سورة البقرة | حـ 28 | آية 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 28 | آية 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • الإيمان بالغيب هو أساس الإيمان وركيزته الأولى، وغيب الغيب هو الله سبحانه وتعالى.
  • الإيمان بالله يترتب عليه الإيمان بالغيوب الأخرى كالملائكة والجن والرسل والكتب واليوم الآخر.
  • الكفر والإلحاد مبني على إنكار الغيب والاقتصار على المحسوسات المادية فقط.
  • العلم الحقيقي هو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، وليس مقتصراً على العلم التجريبي.
  • العقل الغيبي المذموم هو المبني على الأساطير والخرافات، أما الإيمان بالغيب فهو أساس حياة المسلم.
  • الإيمان القلبي وحده لا يكفي، بل لا بد من العمل الصالح المصدق له.
  • الصلاة هي ركيزة العمل الأساسية، كما أن الإيمان بالغيب هو ركيزة الإيمان.
  • من ترك الصلاة فقد أتى بشعبة من شعب الكفر لأنها الركيزة الأولى للعمل.
  • لا يتم الدين إلا في جماعة وأمة متقية، فالفرد التقي ينجح وحده لكن المجتمع يحتاج إلى تقوى جماعية.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

غيب الغيب هو الله وأساس الإيمان هو الإيمان بالغيب

تحدثنا إذن عن غيب الغيب، وغيب الغيب هو الله سبحانه وتعالى. أساس الإيمان هو الإيمان بالغيب، والركيزة الأولى للإيمان هو الإيمان بالغيب.

﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]

هذه ركيزة واحدة وهي الإيمان بالغيب وهو الله. يترتب عليه الإيمان بالغيب وهو الملائكة والجن لإخباره [سبحانه وتعالى] بذلك. يترتب عليه الإيمان بالغيب وهو الرسول الذي لم نره صلى الله عليه وآله وسلم، لكن رأيناه بقلوبنا وسمعناه بآذاننا في سنته التي حفظها الله علينا سبحانه وتعالى، إنما لم نشهده في عالم الأعين.

الإيمان بالله هو الأساس الذي تتولد منه جميع أنواع الإيمان بالغيوب

هذا إذن الأساس؛ الغيب الذي منه تولّد الإيمان بالغيوب الأخرى على درجات مختلفة هو الإيمان بالله. هذا الأساس، فإذا آمنت بالله تؤمن بالوحي، لا يمكن أن تؤمن بالوحي وأنت لا تؤمن بإله.

يكون الأساس هو الله، وبعد ذلك قد آمنت بالوحي، وآمنت بالكتب، وآمنت بالرسل، وآمنت باليوم الآخر، وآمنت بالتكليف، وآمنت بالملائكة، وآمنت بالجن، وآمنت بالجنة وبالنار وبالثواب وبالعقاب وما إلى ذلك؛ لأنك مؤمن بالله.

فإذا كان أحدهم لا يؤمن بالله فلا تصدق [أنه سيؤمن بشيء من ذلك]. إذن أساس المسألة ما هو؟ هو الإيمان بالله.

إنكار الغيب هو أساس الكفر والإلحاد عند من يطلب المحسوسات فقط

ولما لا يؤمن أحدهم بالله، أساس هذا [الإنكار] هو أنه غيب، فيقول لك: أنا أؤمن بماذا؟ بالمحسوس الذي معي، أما هذا [الغيب] فأين هو؟ أنا رأيته [المحسوس]، أنا عرفته.

وهكذا كل الكفر والإلحاد مبني على هذه النقطة:

﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]

ضد الذين لا يؤمنون بالغيب. الذين لا يؤمنون بالغيب قد ينكرون الملائكة، قد ينكرون الجن، قد ينكرون اليوم الآخر، قد ينكرون الرسل، ويؤمنون حتى بوجود إله لا شأن له بنا، خلقنا وتركنا.

فأساس المسألة من عدم الإيمان هذا هو قضية الغيب.

تعريف العلم الحقيقي هو الإدراك الجازم المطابق للواقع لا المحسوس فقط

لماذا أنت تنكر الملائكة أو الجن؟ يقول لك: ما هو [الملَك أو الجني]، لم أره، ليس موجودًا، أنا أريد شيئًا محسوسًا. [يقولون:] العلم هو ما كان قائمًا على المحسوس.

لا، إن العلم هو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل. تتفكر وتصل إلى أن الله وهبنا العقل ليس من أجل التشكك، بل من أجل استخدامه في ترتيب الأدلة وفهمها واستنتاج النتائج الصحيحة وتطبيقها. هذا هو العقل.

﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]

فالغيب [هو أساس] الإيمان كله، ومن خرج عن ذلك إنما خرج لأنه يريد المحسوسات المادية دون سواها. فكلمة الغيب إشارة إلى أساس الإيمان وأساس الكفر [معًا]؛ الإيمان بالغيب.

الفرق بين العقل الغيبي الإيماني والعقل الخرافي وفوضى المصطلحات

بعض الناس يقولون: هذا عقل غيبي، أو نحن نريد أن نقاوم العقل الغيبي. طبعًا هذه استعمالات مترجمة من اللغات الأخرى.

ما معنى العقل الغيبي؟ يقصدون به العقل الخرافي الذي يتبع الأساطير، والذي يتبع الانطباعات ولا يتبع الحقائق.

هل هذا هو العقل الغيبي بمفهومنا نحن؟ لا، هذا العقل الغيبي هنا عقل عاقل وإيمان دافق ودافئ. هذا شيء جميل.

إذن فما هذه الحكاية؟ لماذا أصبح للعقل الغيبي هذا معنى قبيح؟ وصحيح هو هذا فوضى المصطلح الذي نشأ عندما تخلينا شيئًا فشيئًا عن لغتنا الجميلة، لغتنا التي أنزل الله بها القرآن، لغتنا التي تكلم بها سيد الخلق [صلى الله عليه وسلم].

غياب اللغة العربية أدى إلى فوضى المصطلح وتضييق مفهوم العلم

فلما غابت هذه اللغة وأصبحت غامضة، بدأت فوضى المصطلح إن صح التعبير. أصبحنا نعتبر كلمة العلم كأنه هو العلم التجريبي فقط.

لا، العلم هذا واسع؛ منه تجريبي لا ننكره، ومنه أيضًا علم عقلي بدليل عقلي، وعلم نقلي بدليل نقلي، وعلم شرعي بدليل شرعي، وكلها علوم وصلت إلى الإدراك الجازم.

العقل الغيبي بمعنى الأساطير والخرافات والانطباعات وعدم السعي وراء الحقائق، نعم هذا عقل مذموم نحن نذمّه. أما الإيمان بالغيب فهذا هو أساس الإيمان، وهذا هو الضابط الذي ننطلق منه في حياتنا.

صورة المؤمن الحقيقي الذي ينطلق في حياته من الإيمان بالغيب والطمع في رضا الله

نبدأ حياتنا ونحن مؤمنون بالله ومؤمنون بما أنزل، وعارفون أننا في التزام، وأن هناك يومًا آخر سنعود فيه إلى ربنا، ومطمئنون إلى هذا اليوم.

نطمع في وجه الله الكريم أن يدخلنا الجنة، نطمع في وجه الله الكريم أن يقيمنا على الخير في هذه الحياة الدنيا، وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، ثم نعمل.

هذا هو المسلم، هذا هو المؤمن، هذا هو الحقيقي:

﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]

التقوى فريضة فردية وجماعية والدين لا يكتمل إلا في أمة

﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: 2-3]

إذن لا بد للإنسان في نفسه أن يكون تقيًّا، ولا ينتصر في هذه الحياة الدنيا إلا من خلال أمته الذين يجب عليهم أيضًا أن يكونوا الأتقياء.

فإن كان وحده تقيًّا فهو الوحيد فقط الذي إذا اتقى ينجح في حياته ويكرمه الله، ولكن وحده. لكن يجد من حوله فاشلين لأنهم ليسوا أتقياء.

ومن هنا جاءت الآيات التي تخاطب جمعًا، وكان هذا الدين لا يتم، لا يكتمل إلا في جماعة، في أمة، لا يتم ببعض الناس.

تخلف المسلمين سببه الخروج عن التقوى والدين دعوة لا شأن شخصي

يقول [قائل]: الله إذن يا أخي، ما بال المسلمين متخلفين؟ لماذا؟ لأنهم خرجوا عن حد التقوى.

حسنًا، هذا [الحد] أنا لم أخرج [عنه]. نعم، ما أنت ستجد نفسك ناجحًا إذا كنت كذلك [تقيًّا]، ستجد نفسك الله يكرمك. لكن نريد أن يكون هذا دين مبني على كلمة "الذين".

"الذين" هذه تثبت أنه دين دعوة وليس دينًا شخصيًّا؛ آمِن واسكت، لا! آمِن وبلِّغ.

الإيمان القلبي وحده لا يكفي ولا بد من العمل المصدق له

﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 3]

إذن الإيمان القلبي وحده هو البداية، صحيح، لكنه لا يكفي. لا بد من العمل المصدِّق لهذا الإيمان.

وإن قومًا قد غرّهم بالله الغرورُ الذي هو الشيطان، يقولون: نحن نحسن الظن بالله. لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، هذا في الحديث النبوي الشريف.

هكذا إذن، من آمن ولم يعمل كالساعة المعطلة؛ في قلبها من الداخل [آلية]، قم تجدها لا تعمل أيضًا. واحد يقول: لا، هذا أنا مؤمن قلبي، بينه وبين الله عمار، وهو لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا كذا إلى آخره.

ركيزة الإيمان الغيب وركيزة العمل الصلاة ومعنى ترك الصلاة

طيب، إذن ركيزة الإيمان [هي] الغيب، وسيتولد من هذه الركيزة كل أنواع الإيمان وجميع أقسام الإيمان وجميع مفردات الإيمان. وركيزة العمل [هي] الصلاة.

فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول:

«بُنِيَ الإسلامُ على خمس»

وجعل الصلاة أولها، وعندما يقول إن هذا ركن من أركان الصلاة، ويقول:

«العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر»

وانتبه إلى ما يقول: إنه قد كفر، لم يقل إنه كافر؛ أي أنه أتى بشعبة من شعب الكفر؛ لأنه [ترك] الركيزة الأولى للعمل.

ومن ترك العمل كله لا يخرج عن الإسلام، ولكنه يكون ناقصًا فاسقًا، يكون عاصيًا، وهذا شيء ليس بطيب.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.