سورة البقرة | حـ 282 | آية 236 - 237 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 282 | آية 236 - 237 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الطلاق حل أتاحه الله عند انسداد سبل السعادة الزوجية، لكنه أبغض الحلال وآخر العلاج.
  • قوله تعالى: "لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة" أي يجوز الطلاق قبل الدخول وقبل تحديد المهر.
  • الزوجان يحل كل منهما للآخر بمجرد العقد، وهذا بإجماع المسلمين، خلافاً لما يدعيه بعض المتصدرين للفتوى بغير علم.
  • المهر ليس ركناً في عقد الزواج بل واجب من واجباته، فلا يبطل العقد بعدم تحديده.
  • عند الطلاق قبل الدخول وعدم تحديد المهر، يُحكم بمهر المثل الذي يحدده العرف ويحكم به القاضي.
  • المتعة واجبة للمطلقة، وهي تسلية تُقدر بحسب حال الرجل "على الموسع قدره وعلى المقتر قدره".
  • ينبغي للرجل الإحسان في المتعة "متاعا بالمعروف حقا على المحسنين" من غير إفراط أو بخل.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الطلاق قبل الدخول من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَـٰعًا بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236]

معنى رفع الجناح في الطلاق وحكمة مشروعية الطلاق في الإسلام

﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني لا حرج عليكم ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾. يبقى إذا الزواج عقد، والعقد اتفاق إرادتين؛ ولذلك فإنه ينبغي أن يكون من أجل السعادة، فإذا لم يكن كذلك وسُدَّت الطرق فيه فيحدث الطلاق.

وأباح الله لنا وأتاح هذا الطلاق؛ لأن الإكراه على استمرار الحياة لا يصلح لفطرة الإنسان، ولكن الطلاق هو أبغض الحلال عند الله وآخر العلاج، الكيّ كما يقولون في الطب، ولا نلجأ إلى العملية الجراحية إلا بعد اليأس من الشفاء بالطرق المعتادة أو الاستيئاس [من نجاح المحاولات الأخرى].

معنى المس في القرآن وحكم حل الزوجين لبعضهما بمجرد العقد

﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، يبقى إذا عُقد العقد ولم يدخل بها، ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ فالمسّ في لغة القرآن هو الدخول بالمرأة، فهي زوجته بموجب العقد.

لا كما ظنّ بعض القاصرين من أهل العصر ممن تصدّروا هنا وهناك من غير علم؛ فقد أجمع المسلمون على أن الزوجين يحلّ كلٌّ منهما للآخر بموجب العقد، حين يُكتب العقد: «كتبنا الكتاب وعلينا الجواب».

معنى عبارة كتبنا الكتاب وعلينا الجواب في تقاليد الزواج

ما معنى «علينا الجواب»؟ إنه يوجد في النغم قرار وجواب؛ فعلينا الجواب لأن القرار يكون نغمًا منخفضًا والجواب يكون نغمًا عاليًا، فعلينا الجواب يعني أظهرنا ذلك الزواج وضربنا عليه بالدفّ وغنّينا حتى علا صوتنا إلى مرحلة الجواب.

وعلى ذلك فقد اشتهر أمره بين الناس وعرف الناس أمر ذلك الزواج، ولم يمسسها بعد، لكنها زوجته [بموجب العقد].

ترتب جميع الحقوق الزوجية بمجرد كتابة عقد الزواج والرد على المخالفين

وعلى ذلك فإنه إذا طلّقها يترتب على العقد بمجرد كتابة الكتاب جميع الحقوق بنظام. فيأتي أحد ويقول لك: لا، هذا إن دخل بها فإنه حرام عليه! هذا كلام خرافات لم يقله أحد من المسلمين.

هذا كلام يدلّنا على أن من يتصدّر قبل أن يتعلّم كمن ينضج قبل أن يكتمل نموّه، يعني يجعل نفسه ناضجًا وهو غير مكتمل النضج. يبقى من الخارج جميل والله، ومن الداخل يعلم الله! تأتي لتتذوّق الثمرة الناضجة فتجدها حلوة لأنها عنب، تجد الثمرة غير الناضجة مُرّة. يبقى من الخارج رخام ومن الداخل فحم، ابتعد عن هذا [القول الباطل].

التحذير ممن تصدروا للفتوى بغير علم ووجوب اتباع إجماع الأئمة

هاهم تصدّروا من غير أن يتعلّموا، فشأنهم شأن من طار قبل أن ينبت ريشه. يبقى إذن نرفض هذا [القول] ولا نسمع إليه لمخالفته إجماع الناس.

من هم هؤلاء الناس؟ هم الأئمة الكبار الفاهمين [من علماء الأمة].

جواز عقد الزواج بدون تحديد المهر والفرق بين الركن والواجب في العقد

﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، طيب الدخول هذا شيء، ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الذي هو المهر. إذا يجوز عقد الزواج من غير تحديد المهر؛ لأنه عُقد العقد وسيُطلّق أيضًا ولم يحدّدوا المهر بعد، كم مقداره.

ولذلك إذا لم يُحدَّد المهر في العقد لا يبطل العقد؛ فليس [المهر] ركنًا من أركانه، بل هو واجب من واجباته. وهناك فرق بين ركن وبين واجب من الواجبات التي يترتب على العقد وجوب المهر [بموجبها].

كيفية تحديد مهر المثل عند عدم الاتفاق على المهر في عقد الزواج

طيب مهرها كم؟ ما دمنا لم نحدّد [المهر في العقد فيكون] مهر المثل.

مثل من؟ مثل العروس التي تزوّجتها هذه، ومثلها هذا من؟ أختها، بنت عمّها، بنت خالتها، الجيران. مهرهم كم؟ التي في سنّها، هي بكر أم كانت متزوّجة من قبل؟ فالتي في سنّها والتي في مستواها والتي في حالتها، مثل أختها ومثل غيرها دفعوا لها مهرًا كم؟ عشرة آلاف جنيه، فيكون هنا عشرة آلاف.

ومهر المثل هذا من الذي يحدّده؟ العرف. ومن الذي يحكم به؟ القاضي، لو أننا اختلفنا مع بعضنا البعض.

مثال على الاختلاف في تحديد المهر واللجوء إلى القاضي للحكم بالعرف

جئت قلت له: نحن لم نحدّد شيئًا وابنتي مهرها مائة ألف جنيه، قال لي: لا، لم يحدث أن ابنتك مهرها مائة ألف جنيه؛ لأن أختها تزوّجت بعشرة فقط.

اختلفنا مع بعضنا البعض، نذهب إلى القاضي، فاتّضح عند القاضي أنها بعشرة وليس بمائة ألف. إذا نحكم بالعدل، نحكم بالعرف، لا زيادة ولا نقصان.

معنى نفقة المتعة للمطلقة والفرق بين قراءتي قَدَره وقَدْره

﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾، هنا حفص يقول لك «قَدَرُه» بفتح الدال، هكذا قراءة أخرى «قَدْرُه» [بسكون الدال].

ما الفرق بينهما؟ لا يوجد فرق؛ «قَدَرُه» هي «قَدْرُه» و«قَدْرُه» هي «قَدَرُه»، هاتان لهجتان من لهجات العرب، هذه تأتي بالسكون وتلك تأتي بالفتح.

على الموسع قَدَرُه تعني على قدره. والمتعة هنا تسلية؛ هذه المرأة التي طُلّقت سنعطيها شيئًا يسمّى نفقة المتعة، وبها يحكم المصريون.

وجوب الإحسان في دفع المتعة للمطلقة والوصية بالفضل بين الزوجين

﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غير إفراط ومن غير بخل، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ يجب أن تكون محسنًا، يجب ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].

إنك أنت رجل، وما دمت رجلًا ادفع إذن، ادفع وسَلِّ [المطلّقة]، وكن رجلًا مهذّبًا وليس رجلًا غير مهذّب.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.