سورة البقرة | حـ 287 | آية 243 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 287 | آية 243 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تفسير الآية الكريمة من سورة البقرة: "ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم".
  • عبارة "ألم تر" تفيد التنبيه والتركيز وليست للاستفهام، بل تعني انتبه وركز.
  • الآية تتحدث عن أناس فروا من الموت بأعداد كبيرة ظناً منهم أنهم سينجون منه.
  • الفرار من الموت لا ينفع لأن الموت ملاقٍ للإنسان حتى لو كان في بروج مشيدة.
  • يجوز اتخاذ الأسباب للنجاة من المخاطر، لكن المشكلة في العقيدة الفاسدة.
  • الخلاف ليس بين حب الحياة وكرهها، بل بين حب الحياة بعقيدة سليمة أو فاسدة.
  • هناك فرق بين حب الحياة الطبيعي وحب الدنيا المذموم الذي يرتبط بالشهوات.
  • في البلاغة، حذف "فماتوا" بعد "فقال لهم الله موتوا" يسمى الاكتفاء.
  • ختمت الآية بقوله "إن الله لذو فضل على الناس" في إحيائهم وإماتتهم، "ولكن أكثر الناس لا يشكرون".
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الخروج من الديار خوفًا من الموت

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243]

معنى ألم تر في القرآن الكريم ودلالتها على التنبيه لا السؤال

في هذه الآية يصدّرها ربنا سبحانه وتعالى بقوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، وكلمة "ألم تر" تعني: أخبرني، نبّئني. وهذه كلمة للتنبيه؛ يعني انتبه لي. عندما نقول هكذا في العامية: "انتبه" أو "انتبه لي"؛ يعني انتبه. ألم تر، ألم تر، فتبقى كأنها بهذا المعنى.

كلما وجدت "ألم تر" تعرف على الفور أن المقصود هو أنه لا يسأل، بل ينبّه: انتبه لي، ركّز معي. قل لي: هل تعرف هذه الحكاية أم لا؟ فتقول له: لا، لست منتبهًا إليها، فيقول لك: إذن انتبه لي الآن. ألم تر، انتبه.

تطبيق معنى التنبيه في ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَـٰرِهِمْ﴾ [البقرة: 243]

أنت لا تنتبه، لا تنتبه للناس الذين خرجوا من ديارهم. ما الإجابة؟ لا، لست منتبهًا ولا أعرفهم، لا أعرف. فيقول لي: إذن انتبه الآن، انتبه إلى أن هناك ناسًا خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت؛ إذن هم فرّوا من الموت.

الآيات القرآنية الدالة على أن الموت لا مفر منه مهما فعل الإنسان

﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَـٰقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8]

لا توجد فائدة [من الفرار]؛ الموت ملاقيكم.

﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]

ولو كنتم في بروج مشيّدة [لأدرككم الموت]. يقول لهم هناك [في موضع آخر]:

﴿فَتَمَنَّوُا ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 94-95]

يبقى إذن هناك أناس يفرّون من الموت وكأنّ الموت ليس بيد الله، وإنما هو أمر طبيعي؛ إذا فعل كذا مات، وإذا لم يفعل لم يمت، إذن فهيّا بنا نهرب من الموت.

جواز اتخاذ الأسباب للنجاة مع التفريق بين السبب والعقيدة

لا بأس أن يتخذ الإنسان الأسباب [للنجاة]؛ فوجد مثلًا بركانًا ثائرًا، أو وجد عاصفة، أو كان في زلزال، أو كان في شيء من هذا أو ذاك فيهرب، أو أسدٌ سيأكله فيهرب، يجري، ما في مانع.

لكن جريان السبب والتحصيل [يكون] حتى لا يكون قد ألقى بنفسه إلى التهلكة، وليس جريانًا في العقيدة [أي ليس اعتقادًا بأن الأسباب هي التي تُحيي وتُميت]. يعني هنا يتكلم عن العقيدة:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: 243]

إذن هذا شعور عام وليس شعور واحد أو اثنان أو ثلاثة.

حب الحياة بعقيدة سليمة مقابل حبها بعقيدة فاسدة

الإنسان يحب الحياة، ولكن لا مانع من حب الحياة بعقيدة سليمة. لا تحب الحياة بعقيدة غير سليمة؛ فيكون الذي نحن هنا نصحّحه هو العقيدة.

فيأتي أحدهم ويقول: يا الله، يعني أنتم تكرهون الحياة؟ لا، نحن نحب الحياة بعقيدة صحيحة، وأنت تحب الحياة بعقيدة فاسدة. فالخلاف الذي بيننا وبينكم ليس إنكم تحبون الحياة ونحن نكره الحياة، لا، لم يحدث هذا الكلام.

فالحياة الدنيا والحياة الآخرة عندنا سواء، فكيف نكره الحياة؟

الاختلاف الحقيقي في العقيدة لا في حب الحياة وتصحيح المفاهيم

ولكن نحن نحب الحياة بعقيدة سليمة، وأنت تحب الحياة، فقد اشتركت معي أيضًا في حب الحياة، لكن بعقيدة فاسدة.

فأين اختلفت معي؟ ليس في حب الحياة، بل اختلفت معي في العقائد الفاسدة. وأنا عندما أجيء لأصحّح، أصحّح ماذا؟ أصحّح العقيدة، لست أصحّح حب الحياة إلى بغض الحياة؛ ليس هناك هذا الكلام.

وإنما نحن من العقيدة الصحيحة [نقول]: إن هذه الحياة يمكن أن تُزيَّن بعقيدة فاسدة فتُسمّى الدنيا، فيصبح حب الدنيا، فيصبح هناك فرق ما بين حب الحياة وحب الدنيا.

الفرق بين حب الحياة المشروع وتحول النعم إلى شهوات تُسمى الدنيا

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14]

آه، تعلّق قلبك بهذا، عدم أداء واجبات [الله]، هذا الانحراف بهذه المنن التي خلقها الله إلى مرتبة الشهوات، وهي التي فيها خروج عمّا أمر الله، فيها خروج عن الفطرة، فيها خروج عن التكليف، وترك الإنسان نفسه كالحيوان البريّ يفعل ما يشاء.

فحينئذ يصبح اسمها زينة للناس يحب الشهوات، وحينئذ تصبح هذه الشهوات هي الدنيا، ولكن ليست هي الحياة.

الحياة الطيبة بالمال والأسرة دون طغيان ولا انحراف عن أمر الله

فالحياة يمكن أن أملك فيها المال والبنين، ويمكن أن أملك فيها الأسرة، ويتمتع كل أفراد الأسرة بمالهم وحسبهم ونسبهم، من غير طغيان ولا عدوان ولا انحراف عن أمر الله؛ تبقى هذه حياة ولا تبقى دنيا.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: 243]

وأول ما يقول "ألوف" فيعني هذا [الأمر] الشائع في الناس، وإذن يحتاج إلى تصحيح.

أسلوب الاكتفاء البلاغي في قوله تعالى فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم

﴿حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: 243]

فماذا حدث؟ إذن فماتوا. كلمة "فماتوا" غير موجودة [في الآية]؛ إذن هنا الاكتفاء [أسلوب بلاغي]، يقول لك: ماتوا، أي فماتوا.

والله إنما كلمة "فماتوا" غير موجودة. أجل، ما هو يكتفي. طيب، وما يدلّ على الاكتفاء؟ ما بعدها: "ثم أحياهم"؛ إذن هم قد ماتوا.

يبقى إذن يسمّون هذا في البلاغة عدم إكثار الكلام [أي الإيجاز بالحذف].

الفرق البلاغي لو ذُكرت كلمة فماتوا في الآية وغرض الاكتفاء

﴿فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: 243]

لو كان قد قال هكذا: "فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم أحياهم"، كان لغرض آخر؛ فيكون بهذا قد طوّر الكلام [أي أضاف تفصيلًا جديدًا]. نبحث حينئذ عن غرض آخر، وهو لماذا قد طوّر الكلام.

ولكن هنا سمّوه الاكتفاء، أي يكتفي [بما يدلّ على المعنى دون تصريح].

﴿فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 243]

فضل الله على الناس في الإحياء والإماتة وختام ظاهر الآية

وانظر إلى الإطلاق: ﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ في إحيائهم وفي إماتتهم.

﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243]

ما هو في فضل هو منّا [أي نعمة من الله علينا]؛ ولذلك جاء "لا يشكرون" وليس "لا يعلمون"؛ لأن الفضل يستوجب الشكر.

إذن هذا هو ظاهر الآية، فما باطنها؟ إلى لقاء آخر. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.