سورة البقرة | حـ 288 | آية 243 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص الآية القرآنية "ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم".
- •أورد الله في الدنيا أمثلة على قدرته على الإحياء بعد الموت كحال أهل الكهف وعزير وأهل القرية الذين أماتهم ثم أحياهم.
- •جمع ابن أبي الدنيا كتاباً أسماه "من عاش بعد الموت" فيه أمثلة لمن أحياهم الله بعد موتهم.
- •قد تحدث حالات إحياء بعد الموت حتى الآن كتوقف القلب ثم عودته للحياة في المستشفيات.
- •يؤكد النص أن مصادر المعرفة ثلاثة: الحس والنقل والعقل، وخطأ من يقتصر على الحس فقط.
- •يجب حمل الآية على الحقيقة لا المجاز عملاً بقاعدة "الأصل في الكلام الحقيقة".
- •من يستكثر على الله إحياء الموتى بعد رؤية عظمة خلقه للكون والمخلوقات قد قصر المعرفة على الحس وحده.
- •ختم الله الآية بقوله "ولكن أكثر الناس لا يشكرون" لنقصان شكرهم، أما المؤمن بالحقيقة فشكره كامل.
مقدمة وتلاوة آية خروج الألوف من ديارهم حذر الموت
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243]
دلالة الآية الباطنية على إثبات البعث بأمثلة حسية في الدنيا
ماذا تدل هذه الآية في باطنها؟ تدل في باطنها أن الله سبحانه وتعالى قد أعاد [أناسًا إلى الحياة] في هذه الدنيا وليس في الآخرة؛ مثالًا لما هو قادر عليه أن يفعل في الآخرة.
فحدثنا ربنا عن أهل الكهف، وحدثنا ربنا سبحانه وتعالى عن عُزير الذي أماته فأحياه، وحدثنا الله سبحانه وتعالى عن هؤلاء أهل القرية الذين خرجوا منها بالآلاف فأماتهم الله ثم أحياهم.
كتاب ابن أبي الدنيا في من عاش بعد الموت والرد على المشككين
وابن أبي الدنيا من المحدثين المسندين في كتبهم لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع جزءًا أسماه «من عاش بعد الموت»، من عاش بعد الموت يعني مات ثم أحياه الله مرة ثانية وأقامه إقامة أخرى.
فمن عاش بعد الموت واردٌ؛ لأن أحدهم يقول لك: لا، هذا يمكن أن أهل الكهف ناموا لمدة طويلة وهي معجزة لكنهم ناموا ولم يموتوا. يعني حسنًا، ها هو عُزير مات ثم أحياه الله، والقصة هذه [في سورة البقرة] أن هؤلاء ماتوا فأحياهم الله.
الله أثبت الحياة بعد الموت بصورة حسية عبر التاريخ
إذن فالله في مرحلة من مراحل التاريخ يعني بيّن للناس بصورة حسية ليست بصورة نقلية أن هناك حياة بعد الموت.
قصة الحياة بعد الموت هذه قد تكون تحدث حتى الآن، لكن أيضًا التعامل معها سيجعل هذا يسخر وهذا يتهكم وهذا يستهزئ وهذا كذلك إلى آخره؛ لأنه في المستشفيات يتوقف القلب وهي علامة أولى للموت ثم بعد ذلك يعود مرة أخرى. ما هذا إلا نوع من أنواع الرجوع [إلى الحياة].
الإيمان بالغيب بديل عن حصر المعرفة في الحس وحده
أتريد أن نبحث الآن في كل حالة إن كان العقل قد توقف أم لم يتوقف وعاد أم لم يعد، وهل لدينا أبحاث في كل مرة كهذه للناس هؤلاء؟ ليس لدينا.
إذا كان الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن نستبدل بالحس الإيمان، أي اتركوا الحس؛ الأمر هنا سنظل نختلف فيه وسنعجز عنه، الرصد غير كامل. طيب، هناك إيمان بأن الله سبحانه وتعالى فعل هذا: أمات وأحيا.
الرد على من يحمل الإماتة والإحياء على المعنى المجازي
ثم يأتي شخص ويقول لك: لا، هذا إحياء وإماتة وإماتة وإحياء معنوية! والله، وأنت تستكثر على ربك الذي خلقك والذي خلق الأكوان العجيبة الغريبة التي حولنا هذه أن يقول للشيء كن فيكون؟!
لا تؤاخذني في الكلام: هل أنت غبي حقًّا؟ أي أن الذي يفعل ذلك [يستكثر على الله الإحياء والإماتة] لا تؤاخذني مثلًا في الكلام، لا مؤاخذة. الذي بعد أن يرى السماء والأرض هذه والنجوم والكواكب والبشر والحيوان والنبات ويستكثر على ربنا أن يُميت ويُحيي، ما رأيك أنه غبي! أي لا جدال معه، نحن فقط هكذا نتعجب ونستغرب.
سبب الانحراف في فهم الآية هو حصر المعرفة في الحس فقط
طيب، وهذا بشر أم بقر أم ماذا؟ ما حكايته؟ مستكثر على ربنا ماذا؟ وما الذي يدفعك [إلى القول] يعني أنه أماتهم يعني أمات نفوسهم وإن أحياهم يعني أحيا نفوسهم؟
الذي دفعه إلى هذا [التأويل] هو الحس والدخول في دائرة الحس وعدم اعتبار أي حجية إلا للحس. والحس أحد مصادر المعرفة وليس هو كل مصادر المعرفة.
مصادر المعرفة الثلاثة الحس والنقل والعقل وخطر إنكار أحدها
هذا مصدر المعرفة يمكن أن يأتي من الحس، ويمكن أن يأتي من النقل، ويمكن أن يأتي من العقل والتفكر. وكل هذه مصادر للمعرفة معتمدة ومعتبرة.
فمن حصر الأمر في الحس فقد أهدر العقلية العلمية، فتصبح عقليته عقلية خرافة؛ لأنه لم يعلم المصادر الحقيقية الحقيقة لمعرفة البشر:
- •الحواس: نحن لا ننكر الحواس وإلا نصبح جهلاء.
- •النقل [الصحيح عن الله ورسوله].
- •العقل [والتفكر السليم].
ومن أنكر واحدة منها فكأنما أنكر مصادر المعرفة [جميعها].
قاعدة الأصل في الكلام الحقيقة وتطبيقها على آية الإماتة والإحياء
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾ [البقرة: 243]
فهذا نحمله على الحقيقة ولا نجلس نحتال المجاز، لا، على الحقيقة. لماذا؟ للقاعدة التي نفسر بها كتاب الله وهو أن الأصل في الكلام الحقيقة.
ثلاث كلمات يجب أن تحفظوها وأنتم تقرؤون: الأصل في الكلام الحقيقة.
فمتى نخرج عن الحقيقة إلى المجاز؟ عندما تتصادم الأمور، أي عندما يكون هناك تعارض.
لا تعارض في الآية إلا عند من قصر المعرفة على الحس وختام الآية بالشكر
وما الذي يتعارض في هذه الآية؟ لا شيء. إنها تتعارض مع الذهن الذي قصر المعرفة على الحس، ولا تعارض العقل الكامل الذي عرف أن الحس واحد من مصادر المعرفة.
ولذلك ختم الله الآية وقال:
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243]
نعم؛ لأنهم انتقلوا من أمر إلى أمر فشكرهم ناقص، أما من آمن بالحقيقة فشكره كامل. والحمد لله رب العالمين.
ختام الدرس والتوديع بالسلام والدعاء
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
