سورة البقرة | حـ 294 | آية 246 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين القرآن في سورة البقرة استمرار شرع الله واتصاله عبر الرسل، فما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو امتداد لما أنزل على موسى.
- •تتحدث الآيات عن طلب بني إسرائيل من نبيهم بعد موسى أن يبعث لهم ملكاً للقتال في سبيل الله لأنهم أُخرجوا من ديارهم.
- •القتال في سبيل الله له أسباب مشروعة كالدفاع عن النفس وردع المعتدين، وليس للعدوان أو الطغيان.
- •الجهاد ضرورة للأمة فما نزع من قوم إلا ذلوا، وقد أمر الله بالإعداد لإرهاب الأعداء.
- •حرّم الله الاستعمار والإخراج من الديار، وأباح القتال لاسترداد الحقوق.
- •التولي يوم الزحف من السبع الموبقات التي تبطل الحسنات.
- •استنبط الفقهاء من قصة بني إسرائيل أحكاماً تتعلق بالتجنيد، فيجوز الاعتذار قبل بدء القتال، لكن لا يجوز بعد التحرك.
- •القرآن كتاب هداية متجدد وليس مجرد قصص ماضية.
مقدمة في اتصال شرع الله واستمراره من موسى إلى محمد عليهما السلام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يتحدث عن بني إسرائيل، ويبيّن أن شرع الله سبحانه وتعالى متصل مستمر، وأنه لا ينقض الأساس الذي أُنزل به الناموس الأكبر على موسى [عليه السلام].
وأنه ما أنزله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر الأمة من بعده به إلى يوم القيامة، إنما هو استمرار واتصال لسنة الله في كونه، ولما فطر الله الخلق عليه، ولما أجرى سنته في الاجتماع البشري فيه.
قصة الملأ من بني إسرائيل وطلبهم ملكًا يقاتلون في سبيل الله
حيث يقول [الله تعالى]:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ مِن بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰٓ إِذْ قَالُوا لِنَبِىٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلَّا تُقَـٰتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾ [البقرة: 246]
فلا بد في القتال في سبيل الله أن يكون له سبب؛ ليس من أسبابه العدوان، ولا من أسبابه الطغيان، إنما من أسبابه الدفاع عن النفس، والرد بالمثل، والردع للمجرمين.
الرد على من يرفض الجهاد وبيان ضرورة الردع والإعداد للعدو
بعض الناس الآن يقول لك: لا تجاهد! كيف؟ وما نُزع الجهاد من قوم إلا ذلّوا. هل الطرف الآخر سيسكت؟ إنه لن يسكت؛ لأنه ليس لديه [قتال] في سبيل الله ولا يعرفه.
ولذلك يجب أن أُفهمه أنه إذا جاء إلى هنا [أرض المسلمين] ستصبح مقبرة له، كي يخافون فيرتدعون، فيأخذ بعضهم بعضًا وينصرفون، أو لا يأتون أصلًا.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]
ليخاف [العدو]! إنما هكذا؟! لا داعي للجهاد لأنه يوجد إنسانية؟ لا، نحن نعرف الإنسانية جيدًا، عارفين الإنسانية في طبيعتها، ونعرف الإنسانية في واقعها، ونعرف الإنسانية كيف نعالجها، وكيف نقف في صد العدوان عندما ننهي هذه الحالة من الطغيان.
إقرار القرآن بأن الإخراج من الديار والأموال يبيح القتال لاسترداد الحقوق
قالوا:
﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا﴾ [البقرة: 246]
وأموالنا. حسنًا، ويُقرّ هذا الكلام أن الإخراج من الديار والأموال حرام، وأن الاستعمار والاحتلال بدون وجه حق حرام.
وها هم قد أُخرجوهم من ديارهم وأموالهم، فأباح لهم هذا [الوضع] طلب القتال لاسترداد الحقوق.
التولي يوم الزحف من الكبائر السبع الموبقات وأثره على الحسنات
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ [البقرة: 246]
يبقى هنا بدأوا في الخروج عن التكليف، وفي ارتكاب الذنب، وفي التولي يوم الزحف، وهو من الكبائر، من السبع الموبقات: الكفر بالله، وعقوق الوالدين، والتولي يوم الزحف من السبع الموبقات.
ماذا تفعل هذه الموبقات؟ والعياذ بالله تعالى، هو أن الحسنات يُذهبن السيئات، هذه هي القاعدة [العامة]، لا بل إن هذه السيئات [الموبقات] تُذهب الحسنات وتُبطل العمل.
يا له من صنف من المعاصي خبيث سيء أسود؛ لأنه يقضي على الحسنة التي تمحو في ذاتها المعصية والذنب، يقضي على الماحي بالبطلان، يمحوه هو! يبقى ربنا قد سلّط الذنوب الكبار هذه على الحسنات نفسها فأبطلتها.
﴿وَلَا تُبْطِلُوٓا أَعْمَـٰلَكُمْ﴾ [محمد: 33]
حكم عسكري مستنبط من الآية في جواز الاعتذار عن القتال قبل التحرك لا بعده
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ [البقرة: 246]
هنا أخذ العسكريون المسلمون من الآية هذه حكمًا غريبًا قليلًا لكنه مهم. ما هو؟ قال لك: والله يجوز لك أن تعتذر عن القتال، تقول: أنا لستُ سأشارك في المعركة القادمة هذه، قبل التحرك.
فلنفترض أننا تحركنا، لا يجوز لك أن تعتذر. وطبّقوا هذه القصة وستجدونها موجودة في قوانين البلاد، أخذوها منا.
[في البلاد] التي ليس فيها تجنيد إجباري، يقول لك: والله تعالى تطوّع، فتطوّعتَ، نحن سنذهب نحارب في المكان الفلاني. قال: لا، أنا لستُ محاربًا معكم، يُجيز له القانون هذا.
فلم يقل [أحد شيئًا]، وابتدأت الطائرات تتحرك وركب الطائرة، وبعد ذلك بعد أن ركب قال: لا، أنا لا أريد أن أحارب! قالوا: لا يصلح! إذن لا يصلح، يكون هذا توليًا وجريمة ويُعاقب عليها.
القرآن كتاب تشريع وهداية مستمرة وليس مجرد قصص ماضية
الله! بناءً على هذا نحن يمكن هكذا نأخذ من القرآن ونعمل تشريعات هكذا، تشريعات تصل إلى كيف يتم التجنيد وكيف يتم السيطرة على التجنيد.
أنا أقول يعني: عندما نأتي لنقرأ القرآن لا نقرأه باعتبار أنه قصص مضت وانتهت وكانت في زمانها وكان زمان وانتهى. لا! هذا كتاب هداية للعالمين، لمن أراد أن يجعله كذلك، وإذا به يعطي كل يوم جديدًا تستطيع به أن تحيا في حياتك.
بقاء الخير في القليل وتسمية المتولين عن القتال ظالمين لتصرفهم في ملك الله
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 246]
أيضًا الخير لا ينعدم، أيضًا ناس محترمة [بقيت ثابتة]، لكن سبحان الله يكثر الخبث ويقل الخبث حسب الأحوال.
﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 246]
فسمّى هؤلاء الناس [المتولّين عن القتال] ظلمة. فما هو الظلم؟ قال لك: التصرف في ملك الغير.
طيب، وهؤلاء تصرفوا في ملك غيرهم، كيف؟ كتب الله عليه [القتال]. انظر كيف هذه النفس التي هي ملك مَن؟ هي ملك ربنا. كتب عليها القتال فيقول له: لا، لستُ مقاتلًا! فيكون قد تصرّف في ملك غيره، فتكون هذه جهة الظلم إذن؛ أنه بمعصيته لربه تصرّف في ملك غيره.
﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 246]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام.
