سورة البقرة | حـ 295 | آية 246 - 247 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 295 | آية 246 - 247 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يتحدث النص عن قصة بني إسرائيل في سورة البقرة حين طلبوا من نبيهم ملكاً للقتال في سبيل الله.
  • يناقش احتمالية أن يكون القائل "هل عسيتم" هو النبي أو الملك طالوت، مشيراً إلى أن القرآن ترك النص مفتوحاً.
  • يوضح أن المفسرين تأثروا بكتب التاريخ التي وصفت طالوت بأنه غير صالح، بينما القرآن لم يشر إلى ذلك.
  • يبين الفرق بين القرآن والتفسير، حيث يمكن أن يخطئ التفسير بينما النص القرآني لا يخالف الحقائق المكتشفة لاحقاً.
  • يشير إلى أن المشككين ينتقدون التفسير ثم ينسبون النقد للقرآن، رغم أن القرآن خالٍ مما ينتقدونه.
  • يتطرق إلى مسألة الكفاءة في القيادة، موضحاً أن العادل ولو كان فاسقاً يُقدم على العاجز التقي في إدارة شؤون الناس والحرب.
  • يؤكد أن دقة القرآن وإعجازه تظهر عند مقارنته بالمكتشفات التاريخية المتأخرة.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة قصة بني إسرائيل وطلبهم ملكًا يقاتلون معه في سبيل الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يحكي لنا قصة بني إسرائيل إذ قالوا لنبيٍّ لهم:

﴿ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 246]

وكيف جرى الحوار بين الملك وبين هؤلاء [بني إسرائيل]، أو بين النبي وبينهم؟ يعني الحوار هنا هل حدث بين الملك وبينهم؟ وارد. أو حدث بين النبي وبينهم؟ وارد أيضًا.

تأثر المفسرين بكتب التاريخ في وصف طالوت بالملك الطالح

فعندما تذهب إلى التفاسير تجدهم حملوه على النبي وبينهم، يعني قال هذا قال النبي الذي قالوا له ابعث لنا ملكًا. وسبب ذلك أن في كتب التاريخ أن هذا الملك [طالوت] لم يكن صالحًا، بل كان طالحًا؛ لم يكن صالحًا، كان ملكًا غير عادل ولا مستقيمًا.

لكن القرآن هنا -سبحان الله- وهو مهيمن على كتب التاريخ وما قبلها من الكتب، لم يذكر أن هذا الملك كان طاغية ولم يُشِر إلى ذلك. هذا الملك كان صالحًا أم كان طالحًا؟ لم يُشِر [القرآن] إلى أنه كان طالحًا.

الكتب السابقة تشير إلى أنه طالح، فالمفسر تأثر بهذا وذهب فقال: هذه هنا "قال" التي هي [قول] النبي.

احتمال أن يكون القائل هو النبي أو الملك وكلاهما وارد في النص القرآني

لكن:

﴿ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [البقرة: 246]

هل من الممكن أن يكون الذي قال هو النبي؟ لا مانع من ذلك ما دام مذكورًا. ومن الممكن أن يكون هو الملك؟ لا يوجد مانع ما دام مذكورًا.

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ [البقرة: 247]

فتكون الأولى هذه يعني يمكن أن تكون للملك أم لا؟

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ [البقرة: 247]

أيضًا، أتصلح؟ نعم تصلح.

النص القرآني يبقى مفتوحًا ومعجزًا حتى تكشف الاكتشافات عن دقته

طيب، وهذه متى سنحسمها؟ سبحان الله، يظل النص هكذا مفتوحًا حتى تأتي لنا بردية، حتى نكتشف اكتشافًا ونقول سبحان الله انظر الدقة! ولذلك سيبقى [القرآن] معجزًا.

طيب، حتى الآن نحن لم نحصل على هذه البردية. حسنًا، إنه [القرآن] لم يفعل شيئًا، إنه لم يقل شيئًا يخالف. يمكن أن يكون النبي ويمكن أن يكون الملك.

هذا يجعل المرء يفكر هكذا، وبعد ذلك نكتشف أشياء يتضح أنه الذي فوق [هو قول] الملك والذي تحت [هو قول] النبي.

المخطوطات القديمة تكشف دقة القرآن التي لا يستطيع بشر كتابتها

ما هذا؟ كان سيدنا محمد ﷺ يعرف كل هذا الكلام؟ الذي اكتشفناه في سورة يوسف عندما ظهرت مخطوطات نجع حمادي ومخطوطات البحر الميت ومخطوطات الجنيزة بالقاهرة ومخطوطات أخرى.

اتضح أمر غريب جدًا، ما هذا؟ هذه صورة مكتوبة لا يستطيع كتابتها إلا من يتقن خمس عشرة أو ست عشرة لغة ومطلع على كل وثائق الأرض. هذا بقي من البشر؟ هو في الحقيقة ما يوجد أحد إلا الله، الذي أنزل القرآن وعلّم الإنسان، هو سبحانه وتعالى القادر على ذلك.

الفرق بين القرآن والتفسير وأن الحقائق الكونية قد تخالف التفسير لا القرآن

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ [البقرة: 247]

فانظر كيف الفرق بين القرآن وبين التفسير. هو التفسير لم يقل شيئًا خاطئًا يعني، لكن يتضح بعد ذلك أن الحقائق الكونية قد تخالف التفسير وترجع إلى القرآن. يا سبحان الله، لا تجدها قد خالفته! هذا هو الإعجاز.

أي شخص يتحدث أكثر من النص الموجود وهو يفسر قد يخطئ، لكن النص نفسه لا يخطئ.

المشككون ينتقدون التفسير لا القرآن وبذلك يثبتون إعجازه

ولذلك تجد كل الذين يشككون ويجادلون تجدهم يفعلون ماذا؟ يذهبون إلى التفسير لينتقدوه، ومن خلال انتقاد التفسير يقومون بانتقاد القرآن.

نقول له: اجعل له غيرها! هذا أنت تثبت بانتقادك للتفسير إعجاز القرآن؛ لأن القرآن ليس فيه الذي انتقدته. هذا التفسير هو الذي فيه ما انتقدته، وعندما نرجع إلى القرآن لا نجد [ما انتُقد]. فسبحان الله!

فما هذا الكلام؟ هذا ليس من كلام البشر.

قصة طالوت واعتراض بني إسرائيل على تعيينه ملكًا عليهم

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوٓا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 247]

ولو أننا باعتبار أن "قال" التي وردت سابقًا الذي فوق خاص بالملك، فطالوت جالس يكلمهم يقول لهم: يا إخواننا ما رأيكم؟ أوعى لحسن يُكتب علينا القتال وبعد ذلك لا نفعل ولا أدري ماذا، فيكون بذلك رجلًا صالحًا لو فسرناها فوق.

إذا جئنا وجعلنا طالوت هذا فاسقًا ملكًا فاسقًا، فهو بهذا كلامهم حق، حق في أن يقولوا لنبيهم: لماذا ستولّي هذا الفاسق علينا؟

تقديم الكفاءة العسكرية على التقوى في قيادة الجيوش والحروب

وحينئذ لو كان كذلك [أي طالوت فاسقًا]، فإذن الكفاءة مقدمة على كل اعتبار. أنا عندما يكون لدي قائد جيش فاسق ماهر في الحرب وفنونها، وقائد جيش تقي لا يجيد الحرب وفنونه، فأعيّن من؟ أعيّن الذي يجيد؛ لأننا هنا لسنا في دور طريقة فيها مرشد وشيخ ومريد، ولسنا هنا في جامع فيه الورع يُقدَّم.

بل نحن في حرب، والحرب تحتاج إلى من يجيد الحرب ولو كان فاسقًا، فتبقى الكفاءة مقدمة.

تقديم العادل الفاسق على العاجز التقي في إدارة شؤون الناس

ولو سرنا على أن طالوت هذا لم يكن يعني رجلًا صالحًا، ما رأيك إذن في أن هذا الكلام مقدم دائمًا؟ فالعادل الفاسق مقدم على الظالم أو العاجز التقي، على العاجز التقي.

لكن العادل وهو فاسق فسقٌ على نفسه فقط، المهم أن يكون عادلًا حتى يُقدَّم على الضعيف، هذا الذي لا يعرف كيف يدير شؤون الناس والعبادة.

نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.