سورة البقرة | حـ 296 | آية 247 - 248 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 296 | آية 247 - 248 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يُبين القرآن في سورة البقرة قصة طالوت وتعيينه ملكاً، حيث اعترض بنو إسرائيل قائلين "أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه".
  • المقاييس الحقيقية للقيادة لا تكمن في الغنى أو الوجاهة بل في الكفاءة، فتقديم أهل الثقة والمحسوبية على أهل الكفاءة يفتح باب الشر والفساد.
  • أجابهم نبيهم "إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم"، مقدماً العلم على الجسم لأهميته.
  • العلم في القرآن مرتبط بالخشية وليس مجرد تجميع للمعلومات، بل هو العلم الموصل إلى الله.
  • هناك ثلاثة مستويات للعلم: السطحي يرى ظواهر الأشياء، والعميق يرى حقائقها، والمستنير يوصل إلى الله.
  • أخبرهم نبيهم أن آية ملك طالوت هي عودة التابوت المفقود، الذي فيه سكينة من ربهم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون.
  • أخفى الله التابوت عنهم جزاءً بما كسبت قلوبهم بعد أن انشغلوا بالمعجزات ثم قست قلوبهم.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تلاوة آية طالوت واعتراض بني إسرائيل على تنصيبه ملكًا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوٓا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ﴾ [البقرة: 247]

وما هي المقاييس إذن؟ ليس بالغنى؛ تكون قيادة العسكر إنما بإتقان فنون الحرب. لا يمكن لأهل الثقة ولا أهل الوجاهة أن يتقدموا على أهل الكفاءة.

درس تقديم أهل الكفاءة على أهل الوجاهة أساس حضارة الأمة

هذا هو الدرس [الذي تقدمه قصة طالوت]؛ تقوم عليه حضارة الأمة، وإذا تخلينا عنه تنهار تلك الحضارة.

هل العبرة بالوجاهة وأهل الثقة والمحسوبية أم العبرة بأهل الكفاءة؟ العبرة بأهل الكفاءة.

﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾، ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾؛ كلمة فتح باب الشر والفساد. يريد المتكلم بها تقديم أهل الثقة وتقديم المحسوبية وأهل الوجاهة على أهل العلم وأهل الخبرة في المجال.

﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ لماذا؟ لأنسابهم، لحسبهم، ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾.

اصطفاء الله لطالوت دليل على صلاحه ونفي الفسق عنه

قال [نبيهم]:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 247]

اصطفاه عليكم؛ هذا دليل على أن هذا الملك [طالوت] ليس فاسقًا كما قيل عنه أنه كان فاسقًا قتّالًا ظالمًا. الاصطفاء يتناقض مع الفسق.

﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ [البقرة: 247]

اصطفاه عليكم وزاده بسطة في أمرين: في العلم والجسم، وقدّم العلم على الجسم؛ العقل قبل العضلات.

مفهوم العلم في لغة القرآن وارتباطه بخشية الله تعالى

والعلم في لغة القرآن مرتبط بخشية الله، وليس رصّ المعلومات وإدراكها والربط بينها. بل كلمة علم في القرآن لمن تتبّعها رآها أنها تدل على العلم الموصل إلى الله:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ [الرحمن: 1-3]

وهكذا:

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

يعني تبحث هكذا فتجدها كلها تدور في الوصول إلى الله، الذي هو العلم المستنير.

مراتب العلم الثلاث: السطحي والعميق والمستنير الموصل إلى الله

فهناك علم سطحي وعلم عميق وعلم مستنير:

  • العلم السطحي يجعلك ترى ظواهر الأشياء.
  • العلم العميق يجعلك ترى حقائق الأشياء بالمجهر.
  • أما العلم المستنير فهو أن يصلك بالله؛ عندما ترى الشيء تقول: سبحان الله، آمنت بالله، لا إله إلا الله.

وهكذا تربط الكون بالمكوّن سبحانه وتعالى.

معنى سعة الله تعالى وعلمه بمن يستحق الملك والقيادة

﴿وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247]

واسع أي يقبل الضعيف والقوي والغني والفقير وما إلى ذلك. عليم بما يقيمه سبحانه وتعالى ويقيم الناس فيه؛ فأقام هذا [طالوت] في المُلك وفي القتال لأنه يعلم [سبحانه من يصلح لذلك].

فهنا مقارنة بين سعة المال وبين بسطة العلم والجسم؛ زاده الله هنا سعة في العلم وسعة في الجسم، وهما ركنان لهذا المقام: الملك والقتال والقيادة العسكرية. والمال ليس ركنًا ولا شيء [في هذا المقام].

آية ملك طالوت وانشغال بني إسرائيل بالمعجزات وقسوة قلوبهم

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِٓ﴾ [البقرة: 248]

هؤلاء الناس [بنو إسرائيل] كانوا ينشغلون بالمعجزات والآيات والكرامات دائمًا، ثم قست قلوبهم. ولذلك ربنا سبحانه وتعالى بعد قسوة قلوبهم هؤلاء أرسل لهم المعجزات تترى.

فهذه معجزة، لماذا هي معجزة؟ لأنها كانت على يد نبي؛ فقد قال لهم نبيهم:

﴿إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِٓ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ﴾ [البقرة: 248]

الذي ضاع منكم، لقد أضاع الله عنهم التابوت.

التابوت فيه سكينة من الله وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون

فقال لهم: ما رأيكم الآن؟ ستجدونه فتعرفون أن هذا الرجل [طالوت] وجهه حسن،

﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ﴾ [البقرة: 248]

يا ترى من النصائح أم من الآثار؟ ربما. طيب، وأين هذه الآثار؟ وإلى أين ذهب هذا التابوت؟ لم يبقَ إذن.

بقاء آثار النبي محمد ﷺ إلى يومنا هذا وإخفاء آثار آل موسى وهارون

آثار [من التي أصبحت لـ] سيد الخلق صلى الله عليه وسلم تجدها موجودة في مقام سيدنا الحسين؛ شعره الشريف، المكحلة. تجدها موجودة في طوب كابو في القصر هناك في تركيا، تجدها موجودة في بروناي، تجدها هنا هنا.

ما زالت آثار النبي ﷺ تبارك الأرض إلى يومنا هذا. أما ما ترك آل موسى وآل هارون فقد أخفاه الله عنهم جزاءً بما كسبت قلوبهم.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.