سورة البقرة | حـ 30 | آية 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 30 | آية 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يجب الاهتمام بالكلمات القرآنية وفهم عمقها في نفوس العرب، فالحروف في اللغة العربية تدل على معانٍ محددة مثل حرفي النون والفاء اللذين يفيدان الخروج.
  • تكتسب الملكة اللغوية بفهم خصائص الحروف ودلالاتها، فحروف الألف واللام تفيد معنى الشق كما في فلق وفلح وفلس.
  • ينبغي التفاعل مع القرآن على مستويات عدة: المفردات، الأساليب، استنباط المبادئ العامة، القيم، السنن الإلهية، المقاصد الشرعية والحقائق.
  • يحتوي القرآن على دساتير متكاملة للأخلاق والاجتماع والحرب والسلام والنفس.
  • قوله تعالى: "الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون" يجمع بين العلم والعمل.
  • إقامة الصلاة لها درجات: أولها إيقاعها كما أمر الله، ثم الخشوع بنوعيه الظاهر والباطن.
  • خشوع القلب هو الأساس، وخشوع الجوارح مساعد له.
  • أثر الصلاة المقامة بخشوع النهي عن الفحشاء والمنكر.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

أهمية الاهتمام بالكلمات القرآنية وفهم جذورها اللغوية عند العرب

لا بد لنا كما قدمنا أن نهتم بالكلمات القرآنية وننظر في عمقها في نفوس العرب، وكيف فهموا كتاب ربهم.

فكلمة "نفق" ولأنها تبدأ بالنون والفاء، وكل ما بدأ بالنون والفاء بغض النظر عن الحرف الثالث فهو بمعنى الخروج: نفر، نفع، نفس، نفق، أي شيء [يبدأ بهذين الحرفين يدل على الخروج].

حسنًا، إذن "نفش" معناها: تنفش حرث القوم، لكي تخرج منه، لكي تستخرج منه.

كيف تساعد الحاسة اللغوية في استنباط معاني الكلمات العربية المجهولة

حسنًا، هناك كلمة لا أعرفها مثلًا، كلمة واجهتني هكذا في اللغة العربية ولا أعرف ما معناها، أريد قاموسًا نرجع إليه، أريد معجمًا. فتأتي أنت فورًا هكذا، ماذا تقول؟ ماذا؟ هذه فيها خروج، أنا لا أعرف بالضبط خروج ما أدري بالضبط ما معناها الدقيق.

لكن الحاسة اللغوية لدي والملكة التربوية العقلية اللغوية تجعلني أقول إن "نفج" فيها نوع من أنواع الخروج. وبعد ذلك نذهب لنبحث عن معناها.

لكن "نفج" حين وقعت على الأذن تقول أي شيء هكذا، هو أن تفعل بيدك هكذا [حركة الخروج]: نفس، نفع، نفر، نفخ، تعمل هكذا، هو في شيء هكذا طالع هكذا خارج.

دلالة الكلمات التي تبدأ بالفاء واللام على معنى الشق في اللغة العربية

"فلح" وستأتي كذلك قليلًا، يقول لك أي شيء يبدأ بالفاء واللام يكون معنى الشق، بمعنى الشق.

يكون "فلق" يعني شق الحبة هكذا نصفين، فلق الحبة.

﴿فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ﴾ [الأنعام: 95]

"فلق" يكون ماذا؟ شق. "فلح" يكون شق الأرض لأجل يضع فيها البذرة، حرثها. ومن هناك الفلاح الطيب [الذي يشق الأرض للزراعة].

"فلس" يبقى جيبه مشقوقًا وما بقي ذهب، والقطعتان اللتان وضعهما في جيبه ضاعتا، فأفلس. وهكذا [كل ما بدأ بالفاء واللام يدور حول معنى الشق].

ضرورة الاهتمام بفقه اللغة العربية والتفاعل مع القرآن على مستويات متعددة

فإذا لا بد أن نهتم ببعض الخصائص في اللغة العربية وتعود ملكة لنا مرة أخرى، من ضمنها الأشياء هذه التي نجدها في فقه اللغة: أن الكلمة كذا دلالتها كذا وراءها كذا، ونبدأ نتفاعل مع القرآن على هذا المستوى.

ونريد كذلك ما هو أعمق منه؛ ليس في المفردات فقط بل في الأساليب. ونريد أعمق من ذلك في استنباط المبادئ العامة التي تكوّن عقل المسلم. ونريد أعمق من ذلك في استنباط القيم التي ذكرها ربنا في كيف نحيا في هذه الحياة من خلال أسمائه الحسنى.

استنباط السنن الإلهية والمقاصد الشرعية والقواعد والدساتير القرآنية

ونريد أن نتعمق أكثر من ذلك في استنباط السنن الإلهية الحاكمة لهذا الكون، التي من خلالها نطبق المبادئ والقيم. ونريد أن ندرك مقاصد هذا الشرع الشريف ومراد الله سبحانه وتعالى من خلقه ومن إنزال كتابه.

ونريد أن نتبين الحقائق التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى، والقواعد التي بنى بها هذا الدين وبُني عليه هذا الدين. فيكون لدي مبادئ قرآنية وسنن إلهية وقيم، ولدي قواعد شرعية ومقاصد دينية.

ولدي دساتير في القرآن: في دستور الأخلاق، ودستور الاجتماع، ودستور الحرب والسلام، ودستور النفس، ودساتير قرآنية موجودة هنا معنا في القرآن.

رسم خريطة القرآن من خلال الوقوف عند كل كلمة وإدراك إعجازه المعطاء

نريد أن نرسم هذه الخريطة ونحن نقرأ كتاب الله من خلال الوقوف عند مردود كل كلمة. ومن هنا يتبين الإعجاز ويتبين أن هذا القرآن معطاء.

وكلما درست فيه كلما فتح لك قلبه وهداك إلى صراط مستقيم، وكلما درسته لا تنتهي عجائبه ولا يَخْلَق من كثرة الرد، وكلما قرأته أثّر في نفسك وعلمت يقينًا أنه من عند رب العالمين؛ لأنك دخلته تستهديه.

تحليل آية الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق ووجهي العلم والعمل

إذا هذه الآية:

﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]

تبيّن وجهي النظر والعمل: الإيمان في الباطن، وإقامة الصلاة وهي قاصرة على النفس الإنسانية مباشرة وابتداءً، نافعة للخلق أجمعين انتهاءً.

و**"ومما رزقناهم ينفقون"** وهي نافعة للخلق ابتداءً، راجعة لثوابها عند الله للإنسان انتهاءً، وهو وجه العمل.

إذن هنا العلم والعمل: علمنا وتيقنا بالغيب الذي هو أساس الإيمان، وعملنا بما هو عبادة قاصرة [كالصلاة] وعبادة متعدية [كالإنفاق]، وهي أصل العبادات.

دلالة الفعل المضارع يقيمون على استمرار إقامة الصلاة وعلاقته بخدمة القرآن

"يقيمون الصلاة"، انظر لهذا الكلام: "يقيمون الصلاة"، وهناك:

﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78]

إقامة الصلاة لها درجات. وهنا هذه "يقيمون" وليس "أقاموا"، وليس [صيغة الماضي]، ما الحكاية؟ "يقيمون" والفعل المضارع قلنا إنه يفيد ما [هو]؟ الاستمرار، يفيد الاستمرار.

طيب، ويفيد الاستمرار، لماذا؟ لأنه مضارع الاسم، مضارع يعني ماذا؟ يعني مشابهه، يعني مساويه. تقول: هذا يضارع هذا، يعني يساويه. فحتى هم يختارون الألفاظ في النحو يختارونها وهم يخدمون بها كتاب الله سبحانه وتعالى. فإذا القرآن هو الأساس المخدوم في الحضارة الإسلامية.

الدرجة الأولى من إقامة الصلاة إيقاعها كما أمر الله بشروطها وأركانها

إقامة الصلاة درجات: أولها إيقاعها كما أمر الله، كما أمر الله بأن تذهب فتتوضأ وتستقبل القبلة وتصلي بعد دخول الوقت، ساترًا لعورتك، مطهرًا لثيابك وبدنك ومكانك. هذه هي إقامة الصلاة بمعنى أدائها إيقاعها [بشروطها وأركانها].

الدرجة الثانية من إقامة الصلاة الخشوع بنوعيه خشوع الجوارح وخشوع القلب

الإقامة الثانية تريد منك أن تكون خاشعًا في صلاتك:

﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2]

خاشعًا في صلاتك، والخشوع على نوعين: خشوع الجوارح بأن تضع يدك اليمنى على اليسرى وتنظر إلى موضع السجود وكذلك إلى آخره. رأى [أحد السلف] رجلًا يعبث وهو في الصلاة في لحيته وفي ثيابه، قال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.

فالخشوع ابتداءً خشوع جوارح من الخارج، لكن هذا الخشوع لا يكفي؛ هذا خشوع ظاهري.

قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم»

فالخشوع المطلوب هو خشوع القلب؛ إذا حدث خشوع القلب تجد الجوارح قد خشعت، وإذا خشعت الجوارح فإنها تساعد القلب على الاستحضار والرجوع إليه، فكلاهما جيد.

أنواع الذكر وأثر الخشوع الكامل في الصلاة على نهيها عن الفحشاء والمنكر

مثل الذكر: الذكر باللسان له ثواب لكنه لا يكفي، أما الذكر بالقلب فهو عليه ثواب، إنما الذكر باللسان والقلب [معًا] وها قد وصلنا إلى الكمال؛ نجد أثره.

فقد جاء الذي هو أنه ينوّر القلب. فإذا أقيمت الصلاة بمعنى أننا قد خشعنا ظاهرًا وباطنًا، فإننا نجد آثارها بدأت تعمل.

ما هي آثار الصلاة؟

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]

فذكر الله سبحانه من الصلاة [هو الأثر الأعظم لإقامتها بخشوع كامل].