سورة البقرة | حـ 300 | آية 251 - 252 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين الله في سورة البقرة سُنّة إلهية في قوله: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"، فالبشر بحاجة للحراك والتداول سواء بالحرب أو السلم.
- •الأصل في العلاقات بين الناس قائم على الدعوة إلى الله، ولله الفضل على العالمين في كل الأحوال.
- •حرّم الله الظلم والطغيان والعدوان والبغي، وهو لا يحب المعتدين ولا الفساد.
- •قصص القرآن كقصة طالوت وجالوت وداود ليست للتاريخ فحسب، بل هي حقائق ثابتة للعبرة والاستفادة في المستقبل.
- •وصف القرآن لهذه القصص "بالحق" يعني أنها حدثت فعلاً وليست خيالاً، وأن عبرتها باقية إلى يوم القيامة.
- •قسم العلماء القرآن إلى ثلاثين جزءاً ليسهل ختمه في شهر، وإلى أحزاب وأرباع لتيسير تلاوته وحفظه.
- •طُبع المصحف بطريقة مبتكرة جعلت كل صفحة تبدأ بآية وتنتهي بآية، والجزء في عشرين صفحة.
- •بقراءة صفحة في كل ركعة من الفرائض والسنن، يمكن ختم القرآن مرة كل شهر.
مقدمة في سنة الله في دفع الناس بعضهم ببعض من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يبيّن لنا سنة إلهية فاضلة باقية إلى يوم الدين، تعبّر عن حقيقة خلقها الله سبحانه وتعالى في الأكوان وأجرى عليها اجتماع الإنسان. يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]
إذن لا بدّ من حراك الناس وتداولهم؛ إن بالحرب إن اقتضى الأمر حربًا، أو بالسلم إن اقتضى الأمر سلمًا. والأصل فيما بين الناس أنه قائم على الدعوة إلى الله.
فضل الله على العالمين في الخلق والفطرة والعلم والقوة
ولكن الله ذو فضل على العالمين؛ في حالة الحرب لله الفضل على العالمين، وفي حالة السلم لله الفضل على العالمين.
فضل ماذا إذن؟ فضل الخلق، فضل الفطرة التي فطر الناس عليها، فضل أنه قد خلق خيرًا وشرًّا، فضل العلم؛ لأنه هو الذي ألهم الإنسان كيف يخترع، كيف يكتشف، كيف يدافع عن نفسه، عن قيمه، عن مبادئه، كيف يكون قويًّا.
حرّم الله الظلم بين العباد، حرّم الله الطغيان والعدوان، وهو سبحانه لا يحب المعتدين ولا يحب الفساد ويكره البغي.
آيات الله المتلوة بالحق ودروسها الباقية إلى يوم القيامة
﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: 252]
عليه الصلاة والسلام. إذن هذه الآيات التي فصّل الله نبأها لنا، والتي تشتمل على دروس نستفيد منها إلى أن نلقى الله يوم القيامة، ويبقى القرآن كتاب هداية ما بقيت الدنيا.
يقصّ الله علينا قصة طالوت وجالوت وداود، وقصة النزاع، وقصة الطاعة، وقصة الخير، قصة البسطة في العلم وفي الجسم؛ قصص وعبر وعظات.
الغاية من القصص القرآني ليست تاريخية بل للاستفادة في المستقبل
ليس المقصود منها هو التاريخ، ولا المقصود منها هو أن نعلم حقائق حدثت في الماضي وحسب، بل هي حقائق خلقها الله في الكون وتحدّث عنها في كتابه من أجل أن نستفيد منها في مستقبل أيامنا.
لا بدّ ونحن نقرأ القرآن أن نتأمل هذا: ماذا تريد لنا أيها القرآن وماذا تريد منا؟ قل وأنا أسمع.
معنى تلاوة آيات الله بالحق وثبوت وقوعها وبقاء عبرتها
﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾ [البقرة: 252]
وليس بالباطل. وكلمة بالحق تعني الثبات؛ حقّ تعني ثابت. وكلمة ثابت تعني ماذا؟ تعني أن هذه قصص حدثت فعلًا ولم تحدث خيالًا ولا وهمًا، هذا بالحق. وأن العبرة المستفادة منها باقية إلى يوم القيامة؛ لأنه حقّ ثابت.
إذن الثبوت يرجع إلى التاريخ فيثبت وقوعها فعلًا، ويرجع إلى المستقبل فيثبت موعظتها وفائدتها؛ قدرًا مقدّرًا أن غدًا سوف نصنع هذا فنجده كما أراد الله سبحانه وتعالى.
انتهاء الجزء الثاني وبداية الجزء الثالث من القرآن الكريم
إلى هنا ينتهي الجزء الثاني من تقسيم علماء المسلمين للقرآن إلى ثلاثين جزءًا. قسّموه طبقًا للحروف غالبًا؛ أي يمكن أن يأتي التقسيم في وسط الآية فيُكمل الآية، ويصبح الجزء الثالث يبدأ بقوله تعالى:
﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]
فتبقى سورة البقرة آخذة جزأين وداخلة في الثالث.
الحكمة من تجزئة القرآن إلى أجزاء وأحزاب وأرباع لتيسير التلاوة
وهذه التجزئة إنما كانت من أجل أن تجعل لنفسك حصة من القرآن كل يوم، فتختم القرآن في ثلاثين يومًا الذي هو الشهر.
وقسّموها إلى حزبين حتى تقرأ حزبًا في النهار وحزبًا في الليل. وقسّموا الحزب إلى أربعة أرباع حتى يستقيم لك أن تتلو كل ربع وأن تعمل على حفظه إذا أردت الحفظ.
إبداع كتابة المصحف في مصحف الدركنار وتنظيم صفحاته
ولمّا كتبوه أبدعوا في كتابته، حتى كان الدركنار الذي طُبع به هذا المصحف في عصرنا الحاضر، وهو أمر تركي قديم، كُتب خمسة عشر سطرًا في الصفحة، والجزء في عشرين صفحة.
فتبقى الصفحة تبدأ بآية وتنتهي بآية، ولا توجد آية تبقى وسط الصفحتين. عشرون صفحة، فكم قرأنا الآن؟ يبقى أربعون صفحة، ما هما جزءان [أي الجزء الأول والثاني]، يبقى أربعون صفحة.
ختم القرآن شهريًا بقراءة صفحة في كل ركعة من الفرض والسنة
وكان يُقرأ ما نحن عشرون قومًا يقرؤون. نحن عندنا كم ركعة؟ عندنا سبع عشرة [ركعة فرض]. نقرأ في كم؟ نقرأ في خمس [صلوات]: ركعتين في الصبح، في الظهر، في العصر، في المغرب، في العشاء.
صاروا عندنا كم لمّا نقرأ صفحة في كل ركعة؟ كم؟ قال: عشر [صفحات]. قال: والسنة كم؟ قال: السنة سبع عشرة [ركعة] أيضًا. نقرأ كم فيهن؟ عشرة أخرى.
فهذا هو الجزء [اليومي]، فلو قرأت يا حافظ صفحة في كل ركعة فقد وفّيت وكفيت وختمت القرآن في الفرض وفي السنة مرة كل شهر.
الحضارة الإسلامية في تنظيم تلاوة القرآن والختام
يفكّرون حضارة! الحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
