سورة البقرة | حـ 301 | آية 253 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 301 | آية 253 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تفضيل الله بعض الرسل على بعض هو تفضيل تنوع لا تضاد، إذ جميعهم مصطفون أخيار متفقون غير مفترقين.
  • مراتب الأنبياء مختلفة؛ فمنهم أنبياء غير مرسلين، ومنهم رسل، ومنهم أولو العزم، وأفضلهم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.
  • كلما ازداد الإنسان علماً ازداد تواضعاً، لإدراكه اتساع مساحة ما يجهله مقارنة بما يعلمه.
  • أكثر الناس تواضعاً هو أكثرهم علماً، لذا كان النبي محمد أشد الناس تواضعاً، حتى قال: "لا تفضلوني على يونس بن متى".
  • من فضائل الرسل أن منهم من كلمه الله، وهذا فضل من الله وليس كسباً للعبد.
  • رفع الله بعضهم درجات، وآتى عيسى ابن مريم البينات وأيده بروح القدس.
  • يوم القيامة سيشفع النبي محمد للناس بعدما يتنحى الأنبياء جميعاً، فيسجد تحت العرش، ويلهمه الله محامد لم يلهمها لأحد قبله.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

تفضيل الرسل بعضهم على بعض اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة وفي بداية الجزء الثالث، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]

فأقرّ [الله سبحانه وتعالى] الاختلاف، لكنه اختلاف تنوّع لا اختلاف تضاد؛ فإن الرسل جميعًا من المصطفين الأخيار، وأن الرسل جميعًا إخوة، وأن الرسل جميعًا قد بلّغوا رسالاتهم للناس.

إذن هناك اتفاق لا افتراق، ولمّا كان الأمر بينهم على الاتفاق لا الافتراق، كان ذلك التفضيل إنما هو تفضيل تنويع فيه تنوّع، وأن الأمر ليس على درجة واحدة؛ فهناك أنبياء وليسوا برسل، وهناك رسل وهم أنبياء، وهناك أولو العزم من الرسل، وهناك سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم وهو بدرٌ تام عليه الصلاة والسلام.

تفضيل الرسل يستوجب الخشوع والتواضع لا الكبرياء والفخر

﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]

هذا التفضيل في مقام الرسل يستوجب الكبرياء أم يستوجب الخشوع لله والخضوع؟ سبحان الله، إنه الخشوع والخضوع.

وهذا عاملٌ مثل ماذا؟ قال: مثل العلم؛ كلما ازددتَ علمًا كلما ازددتَ معرفةً بضعف نفسك، وبأنّ المساحة التي تجهلها أكبر من المساحة التي تعلمها. كلما تعرف حقيقة تعرف أن وراءها مائة حقيقة لا تعلمها.

فكلما ازددتَ علمًا ازددتَ تواضعًا؛ لأنك ستوقن في قلبك بأنك ترابٌ ابن تراب، أو بأنك لا شيء، أو بأن:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

ودائمًا تقول:

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

لأنه لا ينتهي.

العلم يزيد التواضع والجاهل يظن أنه قد أحاط بكل شيء

كيف تصبح كلما ازددتَ علمًا كان ينبغي أن تزداد فخرًا؟ أبدًا! هذا أنت سبحان الله يحدث لك حالة من الازدياد من الشيء الآخر [أي التواضع]، والحرص والخوف والتواضع، وتقول: لا، انتظر أسعى للبحث.

والآخر الذي ليس عالمًا أبدًا ولا يبحث ولا يعمل، هذا انتهى، هو متأكد [أنه يعلم كل شيء].

فكلما ازددتَ علمًا ازددتَ تواضعًا. فيكون سيد المتواضعين من؟ لله رب العالمين، أفضلهم وأعلاهم [منزلةً]؛ لأنه مثل الذي يصعد على الهرم، كلما صعدتَ كلما انكشفت لك مساحة من الأرض، حتى إذا ما علوتَ الهرم في قمته انكشفت لك أكبر مساحة.

فيكون من الذي كُشفت له أكبر مساحة؟ سيد الخلق [صلى الله عليه وسلم]، فتراه أكثر الناس تواضعًا لربه سبحانه وتعالى.

تواضع النبي ﷺ في عدم تفضيل نفسه على يونس بن متى

﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]

النبي يقول صلى الله عليه وآله وسلم:

«لا تُفضّلوني على يونس بن متّى»

انظروا إلى التواضع! يعني هل يونس بن متّى أفضل من سيدنا رسول الله ﷺ؟ هو في الحقيقة لا، سيدنا رسول الله أفضل، إنما يعني: لا تجلسوا وأنتم تفضّلونني على يونس بن متّى تظنون أن يونس هذا ابن متّى يعني شيئًا قليلًا.

يعني لا! هذا سيدنا يونس النبي المرسل المعصوم المصطفى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فالأحسن وأنت تقارن، يعني تظن هكذا، تقدح في المقابل؟ إياك أبدًا! هذا كلهم على العين والرأس وملء السمع والبصر. وأحاديث كثيرة في هذا المعنى.

درجة تكليم الله لبعض الرسل والتحذير من قلة الحياء مع الله

﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 253]، وهذه درجة عالية جدًّا. منهم من كلّم الله، فهؤلاء أهل الحديث [أي أهل التكليم الإلهي]، وليس أهل الحديث الذين هم أهل الأسانيد والرواية وما إلى ذلك من علم الحديث — حتى يفرح الشيخ أسامة بهذا الأمر — لا، هو عالمٌ من علماء الحديث نعم، ولكن أهل الحديث [هنا] يعني هذا كلّم ربنا.

أهل الحديث [مع الله]، فلمّا واحد كاتب يقول: "حديث مع الله"، يا أخي اتّقِ الله! يا أخي، يا أخي، عيب! لا تكونوا هكذا، لا تكن متنطّعًا مع الله.

﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 253]، هذا فضلٌ من الذي آتاه الله، آتى هذا الفضل ليس بالتقالّ [أي ليس بالاستخفاف]، ليس أنا الذي سأذهب أُكلّم. لا تكونوا قليلي الحياء، لا تكونوا قليلي الحياء؛ لأن قلة الحياء عاقبتها سيئة.

الله هو الذي تكلم وهو الذي يرفع من يشاء درجات

﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 253]، يا أهلي، حسنًا، أوقات كثيرة نقف عندها. صلّى [أي توقّف وتأمّل]، هي "كلّم الله"، قال: لا، هذا كلّم الله، يعني الله هو الذي تكلّم، نعم، ما هو فضلٌ منه وليس منهم.

﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 253]، أنا هأكلّم الله الآن؟ لا!

﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ﴾ [البقرة: 253]، أيضًا هو الذي يرفع إذن درجات.

﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ [البقرة: 253]

فيكون كان هنا، ما هي درجات إذن في التفضيل؟

﴿وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾ [البقرة: 253]

سيدنا عيسى عندنا شيء عظيم جدًّا.

حديث الشفاعة العظمى يوم القيامة ومقام النبي ﷺ عند العرش

وسيأتي يوم القيامة الناس تذهب لسيدنا آدم: يا آدم اشفع لنا عند ربك، فيقول: لقد أذنبت. فيذهبوا إلى نوح، اذهبوا إلى إبراهيم، واذهبوا إلى موسى، وكل واحد يذكر لهم شيئًا فعله في حياته يخاف أن يكون يعني يُحسب عليه في كتابه مع ربه.

حتى يأتوا إلى سيدنا عيسى، فلا يذكر شيئًا، صفحته بيضاء والسلام، ثم يقول: اذهبوا إلى محمد ﷺ. ولا يقول بعد ذلك ماذا فعل، فاذهبوا إلى محمد. لماذا؟ ما دام الأمر كذلك اذهبوا إلى محمد.

فالنبي ﷺ يقول: «أنا لها، أنا لها»، فيسجد تحت عرش الرحمن، ويُلهمه الله بمحامد لم يُلهمها لأحد من قبله، ويسجد ما شاء الله أن يسجد، حتى يُقال له: ارتفع يا محمد، وقُل تُسمع، واشفع تُشفّع.

فاللهم اجعلنا في شفاعته يوم القيامة. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.