سورة البقرة | حـ 303 | آية 255 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •آية الكرسي هي أعظم آية في القرآن الكريم من حيث موضوعها وليس من حيث الإعجاز.
- •التفاضل بين آيات القرآن يكون بتفاضل الموضوع، فآية تتحدث عن وحدانية الله تختلف عن آية تتناول الأحكام الشرعية.
- •تبدأ آية الكرسي بلفظ الجلالة وتعرض لقضية الكون وتجيب عن الأسئلة الثلاثة التي شغلت البشرية.
- •الأسئلة هي: من أين نحن؟ وماذا نفعل الآن؟ وماذا سيكون غدًا؟
- •الإجابة أننا من خلق الله، ونحن مكلفون بطاعته، وسنبعث بعد الموت للحساب.
- •الإيمان باليوم الآخر يجعل الإنسان يقدم على الخيرات ويحجم عن السيئات.
- •اعترف بعض الملحدين أن الله ضرورة اجتماعية، وإلا صارت الدنيا بلا أخلاق ولا قانون.
- •الله هو الحي القيوم الذي تقوم به الأشياء، والخلق في إمداد مستمر منه.
- •لو قطع الله الإمداد عن الخلق لفنوا، فكل المخلوقات في حاجة دائمة إليه.
مقدمة وتلاوة آية الكرسي كاملة من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُٓ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَا يَـُٔودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]
بيان معنى التفاوت في عظمة آيات القرآن الكريم وضوابطه
وهي [آية الكرسي] أعظم آية في القرآن الكريم.
وهل في القرآن تفاوت في العظمة؟ قال العلماء: ليس هناك تفاوت بين آيات الله في الإعجاز وفي كونها من عند الله، ولكن هناك تفاوت بتفاوت الموضوع.
فالآية التي تتحدث عن وحدانية الله وقدرته وبديع صنعه في كونه، غير الآية التي تتحدث عن أحكام كأحكام المياه، أو كأحكام الحيض والنفاس، أو كأحكام البيع والشراء وهكذا؛ فإن التفاضل إنما يكون بتفاضل الموضوع.
وليس عندما نقول هذه أعظم آية في القرآن إنها تفضل غيرها في الصياغة أو في الإعجاز أو في أنها من عند الله، ليس بهذا المعنى.
كل آية في القرآن معجزة بذاتها ولو كانت كلمة واحدة
وإنما كل آيات الله آية، وآية في اللغة معناها معجزة خارقة، ولو كانت من كلمة واحدة.
﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ كلمة واحدة أهي آية [نعم هي آية]؟ ﴿الم﴾ آية [كذلك]؛ فهي في الإعجاز سواء، ولكن الخلاف في الموضوع.
أسباب عظمة آية الكرسي وما تضمنته من صفات الله وعلاقته بالخلق
هنا آية الكرسي وهي الآية التي يذكر بها المسلمون كثيرًا ربهم؛ لأن فيها من سرد صفات الله سبحانه وتعالى، ولأن فيها العلاقة بين المخلوق والخالق والصلة كيف تكون، ولأن فيها مستقبل البشرية؛ فإنها كانت أعظم آية.
وبدأت بلفظ الجلالة:
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 255]
هذه قضية الكون؛ لأن هذا يفرق الناس إلى قسمين: قسم لا يعلم إلا الحياة الدنيا، وقسم يرى أن هذه الحياة الدنيا مخلوقة لخالق.
الأسئلة الثلاثة الكبرى التي شغلت البشرية وإجابة الإيمان عنها
ولذلك فإنه [المؤمن] مؤمن من أين جئنا، مؤمن بما نفعله الآن، مؤمن بما سيكون بعد الموت. وهذه الأسئلة الثلاثة هي التي شغلت البشرية: من أين نحن؟ وماذا نفعل الآن؟ وماذا سيكون غدًا؟
وهذه إجابة [القرآن عنها]: إننا من خلق الله لا إله إلا هو.
وماذا نفعل الآن؟ قال [الله]: أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، فنحن على حد التكليف: افعل ولا تفعل؛ فنهانا عن الفاحشة ونهانا عن المنكر وأمرنا بالطاعة وبالمعروف، والذي يحدد الحسن والقبح هو الله سبحانه وتعالى.
أثر الإيمان باليوم الآخر في استقامة حياة الإنسان وسلوكه
وماذا سيكون غدًا؟ هل يفنى الإنسان وتنتهي حياته؟ أبدًا، هناك حياة أخرى، وهذا هو الذي يسلي الإنسان ويجعل لحياته معنى.
فتخيل أننا نموت ولا نحيا، إذا كانت هذه آخر فرصة فيجب أن نعمل الذي نريده في الأرض؛ نشتهي كما نريد ونحصل على ما نريد والقوي يأكل الضعيف.
إلا أن الإيمان باليوم الآخر والإيمان أن هناك محاسبة وهناك جنة لمن أطاع ونار لمن عصى، تجعل الإنسان يُقدم على الخيرات ويُحجم عن السيئات، ويفكر أنه ما دامت هناك عقوبة مترتبة على الجريمة فإنه يمتنع عنها. وهذا بينه وبين ربه وليس بينه وبين نفسه ولا بينه وبين الناس.
حيرة الملحدين في إيجاد بديل أخلاقي واعتراف هكسلي بضرورة الإيمان بالله
إذن فرق كبير؛ لأن الحقيقة أن الملحدين احتاروا في هذا وقالوا: حسنًا، هذا ما إن لم يكن هناك رب فماذا سنفعل؟ فأنا قد أُضرب لأنني لست الأقوى — هكذا يقول الملحد — قالوا: إذن يجب أن نبحث عن أخلاق أخرى نصنعها ونؤلفها نحن.
فما هي هذه الأخلاق؟ فظلوا يبحثون حتى قال هكسلي — وهو من كبار ملاحدة القرن التاسع عشر —: "الله ضرورة اجتماعية".
ما معنى هذا؟ إذا لم يكن الله موجودًا حقًّا فيجب أن نقول إن هناك ربًّا ونخدع أنفسنا ونقول إن هناك ربًّا! اخدع نفسك كما تشاء.
نحن لا نخدع أنفسنا، نحن مؤمنون بالله حقًّا؛ لأن العقل يقول هكذا، وإلا فإن هذه الدنيا خدعة كبيرة لو لم يكن هناك رب.
الرد على من يقول إن الله خلقنا وتركنا ومعنى اسم الله القيوم
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 255]
إذن ربنا موجود، ولكن [قد يقول قائل]: لا شأن له بنا، خلقنا وتركنا فهو سبب محض هكذا. نعم موجود ولكن ماذا؟ يتركنا في حالنا! الله! إذن ما هي [النتيجة]؟ ما هو أيضًا؟ ترجع تفعل الذي تريده وكل واحد يفعل ما يشاء، ويصبح لا قانون ولا في أخلاق ولا في خطأ ولا في صواب ولا في أي شيء.
فماذا تفعل إذن؟ قال له: لا، الحي القيوم.
وما معنى القيوم؟ القيوم هو الذي تقوم به الأشياء. يعني ماذا؟ قال: يعني الخلق هذا منه.
معنى الخلق المستمر والإمداد الإلهي الدائم للكون وكل ما فيه
قال [السائل]: نحن نعرف أن الخلق هذا منه، خلقه يعني منذ زمن طويل وبعد ذلك نحن نتزوج وننجب وهكذا. فقال [العالم]: لا، هذا أنت ما زلت تُخلق، هذا أنت قائم به وهو [الله] قائم بنفسه.
فما معنى أنني ما زلت أُخلق؟ قال: يعني لو أن الله قطع عنك الإمداد لفنيت، ليس مُتَّ، لا! أتعرف السينما والفيلم يعمل؟ أغلقنا الآلة، ماذا يحدث على الشاشة؟ لا شيء، انتهى؛ لأنك قطعت الإمداد.
فإذا قطع الله الإمداد فنى الخلق؛ يبقى هذا المنبر وهذا الجدار وأنت وأنا جميعنا في إمداد في خلق مستمر.
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]
صعبة هذه أن تُفهم، ربما صعبة. فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
