سورة البقرة | حـ 305 | آية 255 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص آية الكرسي حيث قوله تعالى "الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم" يبين أن الله لا تأخذه غفلة بسيطة ولا نوم عميق.
- •الله سبحانه لا يحتاج للراحة لأنه لا يتعب، فأمره بين الكاف والنون، يقول للشيء "كن فيكون".
- •معنى "له ما في السماوات وما في الأرض" أن لله ملك كل شيء من عاقل وغير عاقل، واستخدم "ما" للتغليب لأن غير العاقل أكثر عدداً.
- •اللام في "له" تفيد الملك، فالله مالك وملك معاً، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء.
- •تصرف الله في ملكه لا يوصف بالظلم لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير.
- •الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله، وسيد المتشفعين يوم القيامة هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
- •يوم القيامة طويل وفيه يُلهم النبي محامد لم يلهمها لأحد قبله ليشفع للناس.
مقدمة تفسير آية الكرسي ومعنى نفي السنة والنوم عن الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة وفي آية الكرسي، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]
السِّنَة تعني الغفلة البسيطة، والنوم [يعني] النوم العميق. فلا تأخذه سِنَة؛ أي أن الغفلة لا تأخذ الله [سبحانه وتعالى]، فهو سبحانه وتعالى مطّلع على خلقه في ظاهرهم وفي باطنهم.
والنوم أيضًا لا يأخذ الله [سبحانه وتعالى]؛ فالنوم يأتي من الحاجة إلى الراحة، والله سبحانه وتعالى أصلًا لا يتعب. والراحة تأتي من المجهود، فما دام أن ربنا لا يبذل مجهودًا؛ يقول كن فيكون.
معنى كن فيكون وسرعة تنفيذ أمر الله بين الكاف والنون
﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
هنا قال فيكون، الفاء هنا للتعقيب. فهو متى يكون؟ عندما يقول [الله سبحانه وتعالى] مثلًا: كن رجلًا فسيخلق رجلًا هكذا، أو كن نجمًا، أو كن شجرًا.
متى يحدث هذا الكلام؟ قال [العلماء]: إنما أمره بين الكاف والنون؛ يعني هو الكاف تخرج هكذا الأول في الأمر، وقبل أن تصل إلى النون تكون الحاجة موجودة. أمره بين الكاف والنون؛ النون موجودة فالحاجة موجودة.
فأيّ تعب؟ لا يوجد تعب. ففي نوم إذن لماذا؟ لا يوجد نوم، جلّ جلاله.
معنى لفظة ما في قوله تعالى له ما في السماوات واستخدامها للتغليب
﴿لَّهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 255]
«ما» تُطلق على غير العاقل، و**«مَن»** تُطلق على العاقل.
طيب ما المقصود بها هنا؟ قال [العلماء]: المقصود بها العاقل وغير العاقل معًا.
طيب لماذا؟ قال: لأنه لو كان غير العاقل كثيرًا والعاقل قليلًا؛ يعني لو جمعنا أصناف الحيوانات وعدد الإنسان، نجد أن الحيوانات والحشرات والأشجار أكثر، وحبّ الرمال أكثر.
إذن «ما» تُطلق على العاقل وغير العاقل للتغليب. يعني ما هو التغليب؟ يعني عدد غير العاقل غلب العاقل؛ غلبهم في العدد. هؤلاء [البشر] ستة مليارات فقط بالكاد، وهؤلاء [غير العقلاء] ستة مليار مليار مليار. الفرق بين هذا وهذا [كبير جدًّا]، إذن «ما» تُطلق على العاقل مع غير العاقل للتغليب.
معنى لام الملك في الآية والفرق بين الملك والمالك
«له»: اللام هنا يسمّونها لام الملك؛ يعني هو يملك ما في السماوات من عاقل وغير عاقل وما في الأرض.
فماذا عندما يملكهم؟ قال [العلماء]: إذا كان هو مالك يوم الدين — وهناك قراءة أخرى تقول مَلِك يوم الدين — فهو ملك ومالك.
ما الفرق بينهما؟ قال: كل واحدة منهما لها قوة من جهة؛ فإن الملك مرتبته عالية، أعلى واحد في المجتمع هو الملك، وله أمر نافذ. شأن الملك كذلك أن يكون له أمر نافذ.
طيب والمالك؟ قال: المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولا يتصرف الملك في مملكته كيف يشاء؛ يعني الملك لا يستطيع أن يأتي إلى البيت الخاص بي ويضع يده عليه فيكون ظالمًا، لأنه تصرّف في غير ملكه. لكن المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء.
فيكون المالك أقوى من الملك من ناحية التصرف في الملك، والملك أقوى من المالك من حيث هيمنته وسيطرته على أفراد المجتمع والناس. والله ملك مالك.
لام الملك تجمع معاني الملك والمالك وتصرف الله في خلقه ليس ظلمًا
والملك المالك هذا اختصار الكلام أنه له؛ فتكون اللام هذه فيها كل المعاني هذه، لأنها لام الملك، فهو ملك مالك.
فله، فيكون له ما في السماوات وما في الأرض. وهذا ينشأ منه أن تصرّفه فيه لا يُنسب ظلمًا إليه؛ فإذا أمرض أحدنا فليس ظلمًا، بل قدر الله وما شاء فعل. وإذا أمات أحدنا فليس ظلمًا؛ نقول: وديعة وردّها ربّها إليه. ربنا استودعنا وديعة وأخذها.
والظلم هو التصرف في ملك الغير، فهو [سبحانه وتعالى] يتصرف في ملكه هو سبحانه وتعالى. هذه هي العقيدة هكذا؛ إذن يكون هنا رضا بالقضاء والقدر الجاري.
الحزن الطبيعي عند المصيبة مع عدم قول ما يغضب الله تعالى
نحزن [عند المصيبة]:
قال رسول الله ﷺ: «إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول ما يغضب ربنا»
لما مات سيدنا إبراهيم ابن سيدنا رسول الله ﷺ بكى وحزن، ولكنه قال هذه الكلمة: إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع؛ [فهذه] طبيعة الإنسان هكذا، ولكن لا نقول ما يغضب الله سبحانه وتعالى.
معنى الشفاعة عند الله بإذنه وسلطانه المطلق سبحانه وتعالى
له [سبحانه وتعالى]؛ يعني في ملكه وملكه ما في السماوات وما في الأرض.
﴿مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُٓ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]
سلطان مطلق؛ ولذلك هناك شفاعة لكن بإذن الله. وسيد المتشفّعين يوم القيامة هو سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
طول يوم القيامة والدعاء بدخول الجنة بلا حساب ونيل الشفاعة
يوم القيامة طوله ألف سنة من سنواتنا يتحقق معنا. نسأل الله أن يدخلنا الجنة من غير حساب؛ فيكون بذلك قد وفّرنا خمسمائة سنة دون سابق عقاب أو عتاب. لكي لا نبقى خمسمائة سنة؛ تخيّل نفسك واقفًا هنا خمسمائة سنة، فهذا عذاب بحدّ ذاته.
ولكن يذهب الخلق إلى آدم فنوح فإبراهيم فموسى فعيسى، وكلهم يعتذر، حتى يصلوا إلى سيدنا محمد ﷺ، فيذهب فيسجد تحت العرش، فيُلهمه الله بمحامد كثيرة لم يُلهمها لأحد من قبله، ثم يقول [الله تعالى]: ارفع يا محمد وقل تُسمع واشفع تُشفّع.
فاللهم اجعلنا في شفاعته يوم القيامة، وأقمنا على الحق في الدنيا حتى ننال شفاعته في الآخرة. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
