سورة البقرة | حـ 306 | آية 255 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتمحور النص حول قوله تعالى في آية الكرسي "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء".
- •الله سبحانه يعلم ظاهر الإنسان وباطنه، جوارحه وقلبه وأفكاره، وهذه العقيدة تميز المسلم عن غيره.
- •تعبير "ما بين أيديهم وما خلفهم" يقصد به الإحاطة التامة بكل ما يتعلق بالإنسان.
- •علم الله مطلق وعلم البشر محدود بما شاء الله أن يعلمهم إياه.
- •المعرفة لا تكون علماً إلا إذا نُسبت إلى الله وأدت إلى خشيته.
- •علماء المسلمين يرون أن أنظمة تنظيم المعيشة وتحصيل الرفاهية هي مما ألهمه الله للبشر.
- •المسلم لا يرفض العلم النافع من أي مصدر لأنه يعتقد أن كل علم هو من عند الله.
- •يجب على المسلم أن يكون قوياً وعالماً وأن يسعى للتحصيل العلمي الذي وصل إليه الآخرون.
مقدمة تفسير آية الكرسي وصفة علم الله بالظاهر والباطن
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة وفي آية الكرسي، وهي أعظم آية في القرآن، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: 255]
هذه صفة من صفات الله عز وجل، أن الله سبحانه وتعالى يعلم ظاهرك وباطنك، يعلم جوارحك وما في قلبك وما تفكر فيه.
﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]
هذه صفته سبحانه وتعالى.
أثر إيمان المسلم بعلم الله على دعائه واستحيائه من ربه
ولذلك ينبغي للإنسان أن يقول في نفسه: يا رب، حسبي وكفى. أليس يعلم ما في قلبك؟ أنت تدعو وتقول ماذا وهو يعلم [ما في قلبك].
يرتكب الإنسان ذنبًا أو شيئًا من هذا القبيل، ويخجل من ربه ويستحي منه؛ فلأنه مؤمن يعلم أن الله يراه، فيقول له: سامحني، دون أن يفصح.
أليس من الأولى أن يذهب فيقول له مثلًا: يا رب، في الواقع لقد فعلت كذا وكذا، أي يعترف؟ ولكن بماذا ستعترف وهو يعلم كل شيء! هذه عقيدة عجيبة.
تميز المسلم بإيمانه بعلم الله الشامل وأثره في قربه من التوبة
لتعلم أنه ليس كل الناس في العالم هكذا، ليس كل الناس في الأديان هكذا [يؤمنون] أن الله يعلم ذلك [كل شيء عنهم]؛ بعضهم يقول لك: يعلم الكليات فقط.
أما المسلم فهو يعرف أن ربه بداخله هكذا، هو يعرف أن ربه مطلع على ما في داخله ويفهم هذا. ولذلك هو قريب من التوبة والرجوع من الذنب والمعصية والخطأ؛ لأنه يعلم أن ربه مطلع عليه.
ولكنه يريد أن يفكر قليلًا؛ لأنه أحيانًا ينسى، وما سُمِّي الإنسان إلا لأنه ينسى، وما أول ناسٍ إلا أول الناس [آدم عليه السلام]؛ لأن سيدنا آدم عاهد ربه فنسي، فالناس من بعده نسوا هم أيضًا.
معنى تعبير ما بين أيديهم وما خلفهم في اللغة العربية
يقول [الله تعالى]:
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: 255]
هذه التراكيب أو التعابير "ما بين أيديهم" لها ظاهر؛ المصحف هو بين يدي هكذا، "وما خلفهم" الظهر الخاص بالكرسي هذا خلفي. لا، ليس مقصودًا هكذا.
"ما بين أيديهم وما خلفهم" يعني يعرف كل شيء عنهم. فهذا يسمونه ماذا؟ التعبير التركيب، تركيب هكذا هو ما لا تأتي لتترجمه إلى لغة أخرى.
هذا نحن نعرف: الذي بين يديه والذي وراءه، لا يصلح أن يُفهم شيئًا غريبًا شيئًا ساذجًا هكذا. لكن العربي هو يقول: "ما بين أيديهم وما خلفهم" يقصد به الإحاطة التامة من كل وجه لكل شيء فيك، يعني يعرف كل شيء عنك، أنت مكشوف إليه سبحانه.
العلم الحقيقي خاص بالله وما عند البشر معلومات بإذنه
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: 255]
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
"ولا يحيطون بشيء من علمه"، يبقى العلم هذا خاص بربنا. فالذي يفصله عن ربنا لا يكون علمًا، بل تكون معلومات في ذهنك؛ فإن العلم لا يكون علمًا إلا إذا دلّ على الله.
ولذلك نسبه الله إلى نفسه: علمه. أنت إذن عرفت معلومة، كذلك عرفتها بإذن الله، فمن تمامها أن تنسبها إلى الله. فإذا بك قد عصيت ولم تنسبها إلى الله، تحولت إلى معلومة وليس إلى علم.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
"إلا بما شاء"، إذن فكل العلوم بمشيئة الله.
موقف علماء المسلمين من تنظيم المعيشة والرفاهية عند غير المسلمين
ولذلك فإن علماء المسلمين يقولون: إنك إذا أتيت إلى بلد فوجدت أنظمة قد نظموها للمعيشة والرفاهية، انظر إلى الكلام الجميل الخاص به لتنظيم المعيشة وتحصيل الرفاهية.
تنظيم المعيشة يعني مثل قواعد المرور هكذا؛ يقول لك: قف هنا، امشِ، الإشارة الخضراء كذا، الصفراء كذا، الحمراء كذا. لتنظيم المعيشة وتحصيل الرفاهية، يعمل لك مثلًا الضمان الاجتماعي، يعمل لك تنظيمًا اجتماعيًّا كهذا جميل لكي يُؤَمِّن الناس.
كذلك قال [العلماء]: فهذا اتبعه. قال له: لماذا؟ هو هذا من عند الله؟ قال له: نعم. علماء الإسلام يقولون كذلك: إذا حللت ببلد ليسوا مسلمين ولا شيء، ووجدتهم ينظمون الحياة بتنظيم المعيشة وتحصيل الارتياش، فاتبعهم؛ فإنه مما ألهمه الله لهم لإصلاح الدنيا.
كل علم على وجه الأرض من عند الله والمسلم لا يضيعه
هذا العلم الذي من عند الله، كله هذا من عند الله. ولذلك المسلم لا يضيع علمه على وجه الأرض.
والسبب ما هو؟ أنه من عند الله.
واحد يقول: الله، طيب يا أنت يا مسلم، أنت لم تتوصل إلى العلم هذا. أقول له: نعم، أنا لم أتوصل إليه، لكن العلم هذا وسأفعله [سآخذ به].
له لماذا؟ تقول: لأن هذا العلم من عند الله. يعني أنا أعمل وأتعب وأبحث وأصل إلى الحكاية [النتيجة]. قلت له: هي فقط كلمة "أصل" هذه، هو ربنا الذي أوصلك إلى هذه الحكاية.
العلاقة بين القوة والعلم وواجب المسلم في تحصيل العلوم
طيب، وجزاك [الله] على أنه قد أوصلك لهذا أن جعلك أقوى مني. أنا إذن بيني وبين ربي علاقة ثانية؛ ربنا لا يرضى عن هذا [التقصير]، ولكن هذا بيني وبين ربي.
أما أنت فعلمك هذا من عند الله، وسآخذه، سآخذه. لا تحرمني منه، لا تقل: هذا أنا توصلت إليه وفيه معرفة خاصة، والمعرفة الخاصة لا يعرفها أحد إلا أنا.
لماذا لا يعرفها أحد إلا أنت؟ هذه من عند الله. قال: لكي نتاجر وكذلك.
فلماذا إذن جئتم واستعمرتمونا؟ ولماذا أخذتم خيراتنا وبنيتم مترو الأنفاق هناك؟ ولماذا [فعلتم ذلك]؟ وأنا بيني وبين ربي.
وجوب أن يكون المسلم قويًا عالمًا وأن كل علم البشر بإذن الله
قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»
فيجب أن أكون قويًّا، ويجب أن أكون عالمًا، ويجب أن أكون معي هذا التحصيل الذي حصّله الآخرون وهم يُذلّوننا به. هذا بيني وبين ربي.
فبعض الناس يخلط بين الأمرين هذين، ويقول: إن المسلمين يقولون اعملوا أنتم ونحن نجلس هكذا فقط. لا! هذا واجب علينا أن نعمل وأن نبحث بأمر الله لنا؛ لدرجة أننا نرى كل علم توصل إليه البشر إنما هو بإذن الله ومن عند الله.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
