سورة البقرة | حـ 310 | آية 258 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تناول القرآن قصة مناظرة إبراهيم عليه السلام للنمرود الذي حاجه في ربه، مبيناً آداب المناظرة وأسسها.
- •المؤمن لا يتأخر عن مناظرة الآخرين إذا أخلص لله وألغى نفسه، فلا يخاف من صاحب سلطان أو صاحب فكر منحرف.
- •كان إبراهيم عليه السلام أواهاً حليماً، وقيل إن اسمه يعني "أبو رحيم"، فكان رحيماً عطوفاً حزيناً على كفر قومه.
- •من آداب المناظرة عدم الإكثار من الكلام والتركيز على الحقائق الأساسية بدقة.
- •عندما قال إبراهيم "ربي الذي يحيي ويميت" سكت ولم يعترض على ادعاء النمرود "أنا أحيي وأميت".
- •من حكمة المناظرة عدم الدخول في طرق ضيقة، فترك إبراهيم هذه النقطة وانتقل لدليل آخر.
- •طلب إبراهيم من النمرود أن يأتي بالشمس من المغرب إذا كان إلهاً، فبهت الذي كفر ولم يستطع الرد.
مقدمة الحلقة وبيان موضوع قصة إبراهيم مع النمرود في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقصّ علينا قصة سيدنا إبراهيم مع من حاجّه في ربه. والمفسرون يقولون أنه كان اسمه النمرود، وبعضهم يجعلها بالذال المعجمة "النمروذ".
وعلى كل حال فهذا لا يهم؛ لأن الكتاب إنما هو كتاب هداية، نأخذ منه كيف يهدينا في طريقنا مع الله، كيف يهدينا في طريقنا مع البشر وفي تبليغ دين الله إليهم، كيف يهدينا في تزكيتنا لأنفسنا.
تفسير آية ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم وبيان آداب المناظرة
يقول تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـمَ فِى رَبِّهِٓ﴾ [البقرة: 258]
يعني أخبرني عن ذلك الذي حاجّ، أي جادل إبراهيم عليه السلام في ربه.
وهنا يبيّن الله لنا جزءًا من آداب المناظرة وأسس المجادلة، وأن المؤمن لا يتأخر عن المناظرة مع الآخرين، ولا يخاف أن يناظر الآخرين إذا أخلص لله وألغى نفسه.
صفات سيدنا إبراهيم من الرحمة والحلم وأثرها في المناظرة والجدال
وإبراهيم كان أوّاهًا حليمًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كان لا ينظر لنفسه، وكان كثير الحزن من كفر قومه ومن حولهم، وكان عطوفًا رحيمًا لدرجة أن اسمه "إبراهيم" قيل أنه "أبو رحيم"، أن أصله هكذا "أبو رحيم" إبراهيم.
فكانت الرحمة تملأ قلبه، فإذا ما أردت أن تجادل وأن تناقش فعليك أن تكون رحيمًا، وعليك أن تخرج من أنا ونفسك، وتنظر إلى الآخر وتعطف عليه.
النمرود كان صاحب سلطان لا صاحب فكر وسبب تجرئه على إبراهيم
طيب، وما الرجل الآخر؟ هذا [النمرود] كان صاحب فكر ولم يكن صاحب سلطان؟ أبدًا، كان صاحب سلطان ولم يكن صاحب فكر.
يبقى إذن يبيّن لنا ربنا أننا لا نخاف من أحد، لا من صاحب سلطان ولا من صاحب فكر منحرف.
﴿أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ﴾ [البقرة: 258]
يعني كان سبب تجرؤ النمرود في جداله لإبراهيم عليه السلام هو أن الله قد آتاه الملك. آتى الله الملك لمن؟ للنمرود.
إخلاص إبراهيم في المناظرة وعدم اهتمامه بالنتائج الشخصية والتوكل على الله
﴿إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـمُ﴾ [البقرة: 258]
يبقى إذن لما نجلس في مناقشة ويبدأ إبراهيم [بالمحاجّة]، معناه أنه مش همّه [ليس همّه النتيجة الشخصية]، وأنا ما لي.
﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: 118]
تريد يا رب إنك ترحمهم ارحمهم، تهديهم اهدهم، وأنا ما لي، أنا:
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [الرعد: 40]
يجلس ويبلّغ، وبعد ذلك في نهاية المناقشة هيموته يموته [قد يقتله]، في نهاية المناقشة سيجعل الناس يسخرون منه، يسخرون! أنا ما لي، توكلنا على الله، أنا في حق أريد أن أبلّغه، أقامني الله فيه، ما لي تدخل [في النتائج]. إذن كل هذا قاعدين نستنبط [من الآية].
حجة إبراهيم الأولى ربي الذي يحيي ويميت والفرق بين الكلام ولازم الكلام
قال إبراهيم، طيب لماذا لم يقل هو [النمرود] أولًا؟ قال إبراهيم [أولًا]؛ يريد أن يخيفه، أي تكلّم فقال له: حاضر.
أنا ربي الذي يحيي ويميت.
﴿قَالَ إِبْرَٰهِـمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: 258]
وسكت. أي ما معنى أن هناك شيئًا يسمى لازم الكلام وهناك شيء يسمى الكلام، وشيء يسمى لازم الكلام.
فالذي قاله سيدنا إبراهيم ما هو؟ الكلام: صفة ربنا هو الذي يحيي ويميت. طيب ولازم الكلام: وأنت لا تحيي ولا تميت.
لماذا لم يصرح إبراهيم بلازم الكلام وحكمة عدم تلقين الخصم الاعتراض
حسنًا، وهذه [العبارة: وأنت لا تحيي ولا تميت] لماذا لم يقلها له؟ قال لأنه أمور:
رقم واحد: أنه [النمرود] يستطيع فعلًا أن يحيي إنسانًا بأن يعفو عن الإعدام، واحد عليه إعدام وسيموت، ها هو يقول: لا، أحيوه، يعني اتركوه. أو يقتلوا إنسانًا حتى ومن غير قضية ولا شيء، اقتلوه! يحيي ويميت.
وهو الذي خطر في خاطر نمرود فردّ عليه به. يبقى من الحكمة في المناظرة ألا تتكلم كثيرًا، تكلّم عن الحقائق الأساسية.
المناظرة تقتضي قول الحق بدقة وعدم التصريح بما يلقن الخصم الاعتراض
أنت لماذا تتكلم كثيرًا؟ المناظرة ليست هكذا، المناظرة أن تقول الحق بدقة. يجب أن يكون المناظر عالمًا حتى يعرف ما يخرج من فمه وماذا يقول.
فقال إبراهيم:
﴿رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: 258]
وسكت، ولم يقل - وهو مفهوم بالضرورة - وأنت لا تحيي ولا تميت؛ لأنه بعد ذلك لما قالها نقول له: لماذا يا سيدنا إبراهيم هكذا؟ أنت تلقّنه أن يتورّك عليك بالكلام، يعترض عليك بالكلام! أبدًا، ما قالها. فتبقى هذه من آداب المناظرة.
من آداب المناظرة ترك الطريق الضيق وعدم الدخول في الجدل الفلسفي مع الخصم
قال [النمرود]: أنا أحيي وأميت. طيب، وسيقول له [إبراهيم]: إذن أنا سأترك هذا [الموضوع] وسأميت هذا [أي سأنتقل لحجة أخرى].
من آداب المناظرة ألا تدخل في الطريق الضيق، اتركه له. لا تجلس تقول له: الله لا، أنت لست تحيي وتميت حقيقة، هذا أنت تحيي وتميت صورة، وسنجلس ندخل في فلسفة.
تركها له سيدنا إبراهيم. يبقى وأنت تجادل وتعارض، يدخلك [الخصم] في حارة ضيقة، اتركها وقل له: حسنًا، دع هذه، وأنت تعلم أنها الحق.
انتقال إبراهيم لحجة الشمس القاطعة وإفحام النمرود الكافر
وعندما قلت [لخصمك]: دع هذه، لم تسلّم له بشيء، ولم يسلّم له [إبراهيم] أنه [النمرود] يحيي ويميت. لم يقل له: صحيح، أنت فعلًا تحيي وتميت مع الله. لا، لم يقل ذلك.
قال إبراهيم:
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ﴾ [البقرة: 258]
في الحلقة القادمة نستكمل الحديث، فإلى لقاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
