سورة البقرة | حـ 311 | آية 258 - 259 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 311 | آية 258 - 259 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • قصّ القرآن الكريم قصة سيدنا إبراهيم في مناظرته مع الكافر الذي حاجه في ربه، وفيها دروس في آداب المناظرة.
  • عندما ادعى الكافر قدرته على الإحياء والإماتة، انتقل إبراهيم إلى دليل آخر قائلاً: "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب".
  • فبُهت الكافر واضطرب ولم يستطع الرد رغم إمكانية مجادلته في هذه النقطة أيضاً.
  • سبب عجز الكافر هو عدم توفيق الله له، فالهداية بيد الله وليست متعلقة بفصاحة المتكلم أو قوة جداله.
  • على الداعية أن يعلم أنه يبلغ كلام الله وليس عليه هداية الناس، فالهداية من الله وحده.
  • ما يخرج من القلب يصل إلى القلب، وما يخرج من اللسان يصل إلى الآذان فقط.
  • التعليم يحتاج إلى ضرب الأمثلة المتنوعة وليس مثالاً واحداً، كقصة الذي مر على قرية خاوية فأماته الله مائة عام ثم بعثه.
  • هذه الأدلة الحسية أقرها القرآن لبيان قدرة الله على البعث بعد الموت.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة قصة مجادلة سيدنا إبراهيم مع الكافر في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

يقول ربنا وهو يقصّ علينا قصة سيدنا إبراهيم في جداله مع الكافر:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـمَ فِى رَبِّهِٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258]

وعرفنا من هذا بعض آداب المناظرة؛ ترك إبراهيم الجدال والمراء ودخل في شيء آخر وقال:

﴿قَالَ إِبْرَٰهِـمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ﴾ [البقرة: 258]

بُهِتَ الذي كفر يعني اضطرب، نزل عليه سهم الله [فلم يستطع الرد].

إعادة عرض قصة مجادلة إبراهيم وبيان آداب المناظرة مع الآخرين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله، سورة البقرة، يقصّ علينا ربنا قصة سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع الكافر وهو يجادل. ورأينا كيف أننا تعلمنا بعض آداب المجادلة والمناظرة مع الآخرين.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـمَ فِى رَبِّهِٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258]

فلم يدخل [إبراهيم] معه في الحجة الضيقة وتركه، وسار معه في أمر آخر فقال:

﴿قَالَ إِبْرَٰهِـمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ﴾ [البقرة: 258]

أي اضطرب، أي نزل عليه سهم الله فلم يعرف ما يقول شيئًا.

لماذا لم يوفق الكافر للرد على الحجة الثانية رغم إمكانية ذلك

ولذلك قال [الله تعالى]:

﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 258]

لماذا [لم يستطع الكافر الرد]؟ سبحان الله، الحجة الثانية [التي ذكرها إبراهيم عليه السلام] يعني كان بإمكانه [أي الكافر] أن يرد عليها بأقوى مما رد على الدليل الأول الأقوى، ولكنه لأنه صاحب هوى لم يوفقه الله سبحانه وتعالى لأن يتكلم، ولا يكمل الجدال في باطله.

فتبقى هي القضية: قضية هداية وتوفيق وإذن من الله، وليس قضية فصاحة من الإنسان ولا قوة في الجدال. هذا ملك الله [يصرّفه كيف يشاء].

لماذا لم يقل الكافر لإبراهيم فليأت ربك بالشمس من المغرب

لماذا [لم يردّ الكافر على إبراهيم]؟ قال العلماء: ما هو، كان بإمكانه أن يقول شيئًا يُحرج به سيدنا إبراهيم؛ يقول له: فليجعل ربك يفعلها هو! ربنا يأتي بالشمس من المشرق ويذهب بها إلى المغرب، وأنت تقول لي ائتِ بها من المغرب واذهب بها إلى المشرق، ونحن جالسون الآن فليُطلع ربنا علينا الشمس من المشرق [أي من المغرب].

هذا كلام هو، هذا جدال بأن واحدًا كافرًا يتحكم في الله [يقول]: اعملي وسوّي لي! ما لا ينفع، وليس هذا هو الترتيب العقلي للكلام. لكن كان بإمكانه أن يُحرج إبراهيم يقول له هكذا، طيب ولماذا لم يقل له؟ سبحان الله!

﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ﴾ [البقرة: 258]

وجوب الإخلاص في المناظرة والعلم بأن الهداية بيد الله وحده

يجب وأنت تدخل في المناظرة أن تعلم أنك لنقل كلام الله إلى الناس، ولست كفيلًا عليهم ولا حفيظًا عليهم ولا وكيلًا عليهم ولا عليهم بمسيطر.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

فإذا جلستُ أتكلم بما يرضي الله، فليكن فهمي عن الله هو هذا، وبعد ذلك كل واحد حسب هداية الله؛ فإن الذي يخلق الهداية في القلوب من الله، وليس من كلامك ولا من تنميق حديثك ولا من لباقتك ولا من مدخلك ومخرجك.

فإن أنكرت نفسك وبلّغت عن الله وفّقك الله.

﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 258]

وإذا لم تفعل ذلك أبدًا سلّط الله عليك هذا وذاك، وبقيت الحكاية كما هي، ولا يكون في كونه إلا ما أراد [سبحانه وتعالى].

أهمية الإخلاص في الدعوة وأن ما يخرج من القلب يصل إلى القلب

أو هذه للاختيار، أي انتبه للمثل الذي مضى [في قصة إبراهيم مع الكافر]، هذا وخذ منه العبرة، واعلم كيف تكلّم الناس، واعلم أن الإخلاص والتوكل وإنكار الذات وتبليغ الدعوة إذا خرجت من القلب فإنها تصل إلى القلب بإذن الله، وإذا خرجت من اللسان فإنها تصل إلى الآذان.

فالذي يخرج ما يصل من القلب يصل إلى القلب، وما يخرج من اللسان يصل إلى الآذان، أي لا يفعل شيئًا، أو كلامًا سمعه وانتهى الأمر.

ضرورة ضرب الأمثلة والتنويع في التعليم لاختلاف العقول في الإدراك

عرفت هذه الحكاية [حكاية مجادلة إبراهيم]، فقال له: نعم، فقال له: إذن انتقل إلى مثال آخر.

إذن فإن التعليم لا بد فيه من ضرب الأمثلة، وليس المثال الواحد [يكفي]؛ العقول تختلف في قبول هذا العلم والتلقي والإدراك عن الله، فيلزم التنويع.

وأنت تعلّم الأولاد تعطيهم مثالًا، تعطيهم مثالًا آخر، دعه يحلّ مسألة، يحلّ المسألة الثانية. التدريب يحتاج هكذا أن تدرّبه.

قصة الذي مر على قرية خاوية وإماتة الله له مائة عام ثم بعثه

فيقول [الله تعالى]:

﴿أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259]

هذه انتهت، هذه تخرّبت تمامًا، هذه الحضارة قد أنشأها أصحابها في مئات السنين، فكيف تحيا هذه مرة أخرى؟ هذه غير قابلة لأن يحييها أحد.

﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: 259]

فإذن هناك أدلة حسية جعلها الله في البشرية للدلالة على أن هناك بعثًا بعد الموت، وأن الله كما أنشأ النشأة الأولى فإنه سوف يُنشئ النشأة الآخرة.

كتاب ابن أبي الدنيا عمن عاش بعد الموت والأدلة الحسية على البعث

ولذلك ألّف ابن أبي الدنيا كتابًا عمن عاش بعد الموت، وأصبح هذا في حدود الأخبار بعد نزول القرآن الذي هو معجز في ذاته وهو معجزة رسالة دائمة.

فلم تعد هناك حاجة إلا لما يحدث بين الحين والآخر من توقف القلوب وعودتها مرة أخرى، وإن كان هذا لا يُسمّى موتًا في الاصطلاح، لكنه شيء يقرّب إلى الأذهان.

لكن من عاش بعد الموت:

﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: 259]

حدثٌ أقرّه القرآن حتى لا ينكره الإنسان.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.