سورة البقرة | حـ 312 | آية 259 - 260 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 312 | آية 259 - 260 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح النص آية من سورة البقرة تتعلق بشخص مرّ على قرية خاوية متسائلاً: "أنى يحيي هذه الله بعد موتها".
  • كلمة "أنى" تحتمل معاني الاستفهام عن الكيفية والزمان والمكان.
  • فأمات الله هذا الشخص مائة عام ثم بعثه، فشعر أنه لبث يوماً أو بعض يوم، مما يؤكد أن الميت يخرج عن إدراك الزمان.
  • تكررت هذه الحالة مع أصحاب الكهف حيث لم يشعروا بمرور الزمن الطويل.
  • أظهر الله لذلك الشخص كيفية إحياء الموتى من خلال إحياء حماره أمامه، فآمن بقدرة الله.
  • يبين النص طبيعة الإنسان في تغيير رأيه دون أن يشعر، إذ تحول من الشك إلى اليقين بعد المشاهدة.
  • يوضح النص أهمية الحس في الاستدلال والمناظرة والحوار، وضرورة تقديم الأدلة الحسية.
  • الحس أساس اليقين كما قال الغزالي، لكن فهمه يختلف بين الناس، فمنهم من يؤمن به ومنهم من يكفر.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

افتتاح الدرس بالدعاء والبدء بتلاوة آية من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، اللهم اشرح صدورنا وعلمنا مرادك من كتابك يا أرحم الراحمين، وافتح علينا فتوح العارفين بك، واهدنا واهدِ بنا.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259]

«أنّى» ماذا تعني؟ تعني كيف، وهي أداة للسؤال التعجبي. و«أنّى» تعني أيضًا متى؛ فإذا كان «متى» يُسأل عن الزمان، و«كيف» يُسأل عن الحال، و«أين» يُسأل عن المكان، فكل هذا موجود في «أنّى»: متى وكيف وأين. ربنا يعني هكذا:

﴿أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ بَعْدَ مَوْتِهَا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 259]

إماتة الله للرجل مائة عام وبعثه وعدم شعوره بالزمان

﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: 259]

مائة عام أماته أي إماتة حقيقية، ومائة عام وهي غالب عمر البشر.

﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: 259]

فهذه حقيقة يقررها القرآن أن الإنسان سيخرج عن الزمان بوفاته؛ فعندما يموت الإنسان لا يشعر بالزمان، بحيث أنه لو قام يوم القيامة بإذن الله وخرج من قبره وسُئل هذا السؤال: كم لبثت؟

﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ [المؤمنون: 113]

نحن لا نعرف، هو بالكاد هكذا أربع وعشرون ساعة، نمنا أي نومة طويلة. ولذلك فالموت شبيه بالنوم، وعند البعث والرجوع يشعر الإنسان وكأنه قد غاب قليلًا.

تشابه حال أصحاب الكهف مع الذي مر على القرية في عدم الشعور بالزمان

هذا الحال حدث أيضًا مع أصحاب الكهف:

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الكهف: 19]

كذلك [قال الله تعالى للذي مر على القرية]:

﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: 259]

من عاش بعد الموت [فهو] آية للناس؛ أي تتناقل وتتناقل الأخبار، ويتناقل الناس أخبار أولئك حتى يطمئن بعضهم، ولكن كثيرًا من الناس لا يعلمون.

إحياء الحمار أمام الرجل وإقراره بقدرة الله بعد المعاينة

﴿وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: 259]

فأحيا أمامه حماره هكذا، ثم نكسوها لحمًا، فيتبين له النشر [أي البعث بعد الموت].

﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259]

الآن بعد أن رأى بعينيه قال ماذا؟ أعلم. أليس أنك كنت منذ قليل تقول: كيف يحيي الله هذه بعد موتها؟ والإنسان هكذا، وأنت تناقشه تناقش فيقول لك: الله! طيب وما شأن هذه وما شأن [تلك]؟

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـمَ فِى رَبِّهِٓ﴾ [البقرة: 258]

قال: أنا أحيي وأميت.

طبيعة الإنسان في تغيير رأيه دون أن يشعر وتنبيه القرآن على ذلك

وأنت تناقش الإنسان فيقول لك: ما أنا كنت سأقول هكذا، أيضًا أنا أقول هكذا كما أنت تقول. فتقول أنت: كنت تقول عكس ذلك، نحن مسجلون نعيد الشريط. قال: لا أنت فهمتني خطأ.

وهو صادق بينه وبين نفسه من الداخل؛ هو الإنسان يغير رأيه من غير أن يشعر. فربنا ينبهنا على دقائق النفس البشرية.

يقول [الله تعالى]:

﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ﴾ [البقرة: 259]

أي يعني: أعلم، ومؤكد طبعًا. هو في [حيرة]: ما الذي حدث كله ولماذا؟ هل أنا فعلت شيئًا؟ ألم تقل في البداية: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ هذا أنت متعجب زمانًا ومكانًا وحالًا.

طبيعة الإنسان في المراوغة أثناء النقاش وكيفية التعامل معها

الآن قال: لا، ما هو هذا، الله على كل شيء قدير طبعًا، وإلا فماذا؟ فتفوتها وأنت تتناقش، وتجد طبيعة الإنسان هكذا.

تقول له: نعم إذن اتفقنا. [فيقول:] أنا لم أكن منتبهًا إلى أن قصدك كان كذلك، فلنمضِ إذن.

إذا جلسنا نبحث:

﴿أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: 259]

لوجدناها أيضًا في ثناياها بما لا ينتهي تؤكد أدب الحوار والمجادلة والمناظرة، وأن في بعض الأحيان نحتاج إلى مسألة حسية ونحن نتحاور، ونحتاج إلى عرض وثائق ونحن نتحاور، ونحتاج إلى الرجوع إلى مراجع ونحن نتحاور.

أهمية الأدلة الحسية في المناظرة وربطها بطلب إبراهيم عليه السلام

فتبقى هذه الآية لها أيضًا دعوة بقضية المناظرة، وبينما نتحاور أقول له: حسنًا انتظر سأعرض عليك فيلمًا وثائقيًا يوضح لك هذه القضية، حسنًا سأريك أنه حدث كذا، اسمع هذه الشهادة، حسنًا اقرأ المرجع الفلاني.

وبينما نتحاور، قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ [البقرة: 260]

كيف تحيي الموتى؟ الآية هذه التي مضت:

﴿أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: 259]

رجعنا فيها إلى الحس في الاستدلال، وهنا [في آية إبراهيم] نرجع فيها إلى الحس في الاستدلال كذلك.

الحس أساس اليقين عند الغزالي وكيف اختلفت القراءات بين الإيمان والإلحاد

ولذلك فإن أساس العلوم كلها واليقين كله كما يقول الإمام الغزالي هو الحس. انظروا إلى هذه الحقيقة: الحس هو أساس اليقين.

أخذها الإمام الغزالي سبحان الله فآمن بالله، وأخذها آخرون فكفروا. وهي حقيقة واحدة لكن قراءتها مختلفة، قراءتها مختلفة.

«الحس أساس اليقين» كلام يقوله الإمام الغزالي وبسببه يؤمن، و«الحس أساس اليقين» كلام يقوله عتاة الملحدين وبسببه يكفرون.

فسبحان الله! وإلى لقاء آخر نفصّل فيه هذه القاعدة. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.