سورة البقرة | حـ 315 | آية 262 - 263 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 315 | آية 262 - 263 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الآية الكريمة تبين أن المنفقين في سبيل الله الذين لا يتبعون نفقتهم بالمن والأذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
  • لكي يكون العمل خالصاً لوجه الله يجب ألا تتبع الحسنة بسيئة، لأن السيئة تمحو الحسنة، بينما قانون الله أن الحسنات يذهبن السيئات.
  • إذا أذنب الإنسان فعليه المبادرة بعمل صالح كالوضوء أو الصلاة أو الصدقة، فالصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
  • فلسفة العطاء في الإسلام مبنية على العمارة وليس على الفقر، حيث كان السلف إذا أعطوا أغنوا ويخرجون الفقير من دائرة الفقر إلى الغنى.
  • قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، فالأمر ليس أمر مادة بل أمر علاقات اجتماعية طيبة.
  • ثواب الإنفاق عظيم، فالحسنة بسبعمائة ضعف والله يضاعف لمن يشاء.
  • المنفقون ينالون الأمان والطمأنينة في الدنيا والآخرة فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الإنفاق في سبيل الله من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا مَنًّا وَلَآ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 262]

شرط إخلاص النفقة وعدم إتباع الحسنة بسيئة تمحوها

إذن، إذا أردت أن يكون عملك لوجه الله خالصًا، وإذا أردت أن تكون نفقتك في سبيل الله لها الأجر الأتم الوافي، فعليك ألا تُتبع الحسنة بسيئة؛ لأنك إذا فعلت ذلك [أي أتبعت النفقة بالمنّ والأذى] محت السيئةُ الحسنةَ.

وقانون الله أن تمحو الحسنةُ السيئةَ، لا أن تمحو السيئةُ الحسنةَ. فإذا فعلت سيئة فبادر بحسنة بعدها حتى يمحوها الله من واسع فضله.

المبادرة بالحسنات بعد الذنوب من وضوء وصلاة وصدقة

ولذلك إذا أذنبت ذنبًا فبادر بالوضوء أو بركعتين أو بصدقة تتصدق بها على الفقراء؛ فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.

﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]

فإذا فعلت العكس، وبعد أن قدمت الحسنة جئت بسيئة [كالمنّ والأذى] لتمحو تلك الحسنة، فقد أبطلت عملك.

النهي عن إبطال الأعمال بالمنّ والأذى بعد الإنفاق

والأذى [الذي يلحق بالنفقة يبطلها]؛ سبحانه وتعالى يا أخي عليك ألا تُبطل عملك، فقال [الله تعالى]:

﴿وَلَا تُبْطِلُوٓا أَعْمَـٰلَكُمْ﴾ [محمد: 33]

وأنت الآن تفعل عكس ما يريد الله؛ فإن الله يريد من واسع فضله عليك أن يجعل حسناتك تمحو سيئاتك، وإذا بك أنت تريد أن تمحو بالسيئة الحسنة وأن تُبطل العمل.

صور المنّ بعد النفقة وكيف يؤذي المتصدق عليه بكلامه

ولذلك فلا بد عليك من ألا تُتبع النفقة بالمنّ، كأن تقول لصديقك: نعم، أليس هذا القميص الذي ترتديه؟ ألست أنا الذي اشتريته لك؟ أم ماذا؟ يا الله، طيب ولماذا تقول هذا الكلام؟

أنا وأنت، أليس هذا الذي أحضرته لك؟ أليس هذا الذي عندما أعطيتك العشرة جنيهات ذهبت واشتريته؟ إذن من لحم كتافك؟ من خيرنا! من... والله يجب أن تعمل الآن أو تبقى هكذا عبئًا علينا دائمًا. وهكذا [يكون المنّ والأذى بعد الإنفاق].

فلسفة العطاء في الإسلام مبنية على العمارة لا الفقر

فلسفة العطاء في الإسلام ليست مبنية على فلسفة الفقر، بل مبنية على فلسفة العمارة [أي إعمار حياة الفقير وإغنائه]. يوجد أناس كثيرون لا يفهمون هذه النقطة.

فكان السلف [الصالح] إذا أعطوا أغنوا، يعني إذا أعطوا جعلوا الواحد غنيًا، ويُخرجون الفقير من دائرة الفقر إلى دائرة الغنى.

الخوف من إفساد الفقير بالعطاء الكثير ليس من شأن المتصدق

لكن اليوم الذي يريد أن يتبرع بعشرة جنيهات تقول له: أعطه عشرة آلاف! يقول: يا هذا ستفسدونه هكذا! وكأن الله قد أرسله عليه حفيظًا أو وكيلًا، وما جعل الله سبحانه وتعالى بعضنا على بعض من الحافظين أو من الوكلاء.

أعطِ ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا. قال [الشاعر]: أنفق بـ «لا لا»، ما تقل «لا»، يعني أبدًا أنفق بـ «لا لا».

شرح بيت الشعر أنفق بلا لا ولا تخش من ذي العرش إقلالا

ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا. بعض الناس يقرؤها: «أنفق بلالًا»، لا! إذن أنفق بلال؟ إذا كانت... لكن لا! هي أنفق بـ «لا» من غير «لا»، اللام الأولى منفصلة عن اللام الثانية (بـ لا لا)، أي لا تقل «لا» ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا.

إذن فلا بد علينا أن ننزّه نفقتنا من المنّ والأذى؛ لأن الإنفاق في سبيل الله مبني على فلسفة العمارة وليس مبنيًا على فلسفة الفقر.

القول المعروف والمغفرة خير من صدقة يتبعها أذى

ولذلك تأتي الآية التي بعدها:

﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 263]

الأمر ليس أمر مادة، الأمر أمر عمارة [للمجتمع]، أمر علاقات اجتماعية مبنية [على المودة والاحترام].

أجر المنفقين في الآخرة مضاعف سبعمائة ضعف على الأقل

طيب،

﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا مَنًّا وَلَآ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 262]

هذا [الأجر] في الآخرة، لهم أجرهم عند ربهم. عندما تذهب في الآخرة ستجد النفقة التي أنفقتها هذه؛ إذا كنت أنفقت قرشًا ستأخذ سبعمائة على الأقل؛ لأنه قبلها يقول [الله تعالى]:

﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 261]

يعني هذا أقل شيء؟! سبعمائة هذه أقل شيء، والله واسع عليم.

لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا والآخرة معًا

وبعد ذلك جئنا هنا: فلهم أجرهم عند ربهم، عرفنا أن هذا الأجر أجرٌ أقلّه سبعمائة ويضاعف الله لمن يشاء.

﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ هذا في الدنيا والآخرة. الأجر جاء في أي شيء؟ جاء في الآخرة. طيب، إذن في الدنيا إذا الناس أيضًا لا ترى شيئًا في الدنيا هكذا، الله يعطيها لنا.

يقول لك: لا يزال ينتظر الآخرة، كله آخرة في آخره! فالله يُطمئن المنفقين يقول لهم: ما رأيكم أن أجعلكم لا تخافوا؟ سأحميكم.

قصة ملك نجا من كل مصيبة بسبب إنفاقه في سبيل الله

مرة كان هناك ملك من... لقد حدثت له أحداث غريبة جدًا؛ حدثت له حادثة في الطائرة فنجا، ضربوه في الطائرة ونزل سليمًا، حصل انقلاب في قصره، فيقول للحارس الذي يقف عليه: يا ولد! قال له: نعم يا سيدي. قال له: افتح الباب. قال له: حاضر يا سيدي، وفتح له الباب ومشى.

فنحن تعجبنا كيف هذا ينجو من كل مصيبة تصيبه؟ وسألنا مشايخنا: كيف ينجو هذا الرجل؟ هذا أمر عجيب! قالوا: إنه لا يقول «لا» في الإنفاق في سبيل الله، وهذا أثر الصدقة.

ثمرة الإنفاق نفي الخوف والحزن في الدنيا والآخرة معًا

﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 262]، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

فتكون واحدة [أي الأجر] في الآخرة، واثنتان [أي نفي الخوف ونفي الحزن] في الدنيا والآخرة، من كرم الله [سبحانه وتعالى].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.