سورة البقرة | حـ 317 | آية 265 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 317 | آية 265 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تشير الآية الكريمة إلى مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم، بأنهم كجنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين.
  • هذه صورة مقابلة للذين ينفقون ويتبعون ما أنفقوا بالمن والأذى، أو ينفقون رياء الناس.
  • عبارة "تثبيتاً من أنفسهم" تدل على مجاهدة النفس ومقاومتها عند الإنفاق، فالمتصدق قد يشعر بالتردد والقلق لكنه يثبت نفسه على الإنفاق.
  • وصف الله الصدقة كجنة بربوة لسببين: الأول أنها كثيفة ومباركة، والثاني أنها ظاهرة مرتفعة يراها الناس من بعيد.
  • هذا المثل يبين أن الإنفاق في سبيل الله يضاعف أجره كالجنة التي تؤتي أكلها ضعفين.
  • حتى إن لم يصبها وابل (مطر غزير) فيكفيها طل (مطر خفيف) لتنمو وتثمر.
  • الله مطلع على نوايا المنفقين وأعمالهم، فينبغي الإخلاص والحذر من المن والأذى.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

تلاوة الآية الكريمة في وصف المنفقين ابتغاء مرضاة الله

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله، وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 265]

هذه صورة لمن أنفق في سبيل الله ولم يتبع ما أنفق منًا ولا أذى، في مقابل الصورة التي تحدثنا عنها في حلقة سابقة عن ذلك الذي ينفق ويتبع ما أنفق منًا وأذى، فيكون كذلك الذي أنفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر.

المقارنة بين صورة المنفق المخلص وصورة المنفق الرياء

صورة وصورة، والمطلوب الآن المقارنة؛ هناك صفوان عليه تراب أصابه وابل فتركه صلدًا، وهنا على العكس بركة ونماء. يبقى هناك [المنفق رياءً] خرج بلا شيء، لا يقدر على شيء مما كسب، وهنا [المنفق ابتغاء مرضاة الله] نماء وزيادة.

معنى وتثبيتًا من أنفسهم ومقاومة شح النفس عند الإنفاق

﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة: 265]

يعني هم يفعلون هذا وهم يقاومون شح أنفسهم، وهذا يعرفه الأغنياء حين يُخرجون [الصدقة] هكذا؛ فعندما يجدون أن النفقة في سبيل الله قد زادت، تجده يتألم قليلًا ويحدث له اكتئاب هكذا.

وبعد ذلك، عندما يحدث له الاكتئاب، يقاوم نفسه ويقول: لا، إنه لأجل سبيل الله، أيضًا هذا خير كثير والحمد لله. وبعد ذلك نفسه تقول له: ولكن ليس إلى هذه الدرجة، هكذا أنت تنفق الملايين! فيقول: لا بأس بذلك، لا بأس بذلك، لا بأس بذلك، وهو متألم وليس فرحًا هكذا.

وتثبيتًا من أنفسهم تعبير قرآني لا يعرفه إلا الله لأنه يطلع على القلوب

﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، ما رأيك أنه لا يقول هذا [التعبير] وتثبيتًا من أنفسهم إلا رب العالمين؟ لأن لا أحد يعترف إلا القليل جدًا؛ [فالمنفق] أمام الناس يقول: أنا فرحان، وبينه وبين نفسه يقول: هذا كثيرًا هكذا. وبعد ذلك يقاوم نفسه هكذا.

وتثبيتًا من أنفسهم أي يقاوم نفسه كي يثبت نفسه. سيدنا محمد ﷺ لا يعرف أن يقول هكذا، لا يعرف أن يقول هكذا؛ هذا من عند الله، هذه الحكاية من عند الله، لأن الذي يطلع على قلوب الناس هو الله.

استمرار هذه الصفة في الناس عبر الزمان دليل على أن الوصف من عند الله

ولما رأينا مع مرور الزمان واختلاف الدهر والأوان أنه ما زال الناس على هذه الصفة، كان هذا الكلام بعد كل هذا الاختلاط بالإسلام وبالتربية. ونحن مسلمون منذ زمن طويل، وبالرغم من ذلك نجد الأمر كما هو.

والجماعة الأغنياء أيضًا يقاومون أنفسهم؛ يضع [يده في جيبه] هكذا ثم يريد أن يسحب يده مرة أخرى، انتبه! فهذا وتثبيتًا من أنفسهم. ما أحد يعرف أن يقولها من البشر، وليست قطعية هكذا، لأن الناس يقولون غير ذلك، إنما الحقيقة هي كذلك؛ فيبقى عارفها من أين إذن؟ من عند الله.

معنى الجنة بربوة وسبب تسمية الجنة بهذا الاسم

﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، ربوة هكذا وعليها جنة فوقها. والجنة سُميت الجنة لأنها تستر ما بداخلها من أجل كثافة الأشجار؛ فالأشجار كثيفة لدرجة أنها تستر.

جِنّي [من الجن] قال: إنه مستور غير مرئي، إنه يراكم هو وقبيلته من حيث لا ترونهم. جُنان [أي مجنون]: واحد لديه جنون، نعم، لأن عقله قد ستر. يقول لك جنين: نعم، لأن الجنين مستور في بطن أمه لم يخرج أمامنا بعد. جنة: نعم، لأنها تستر ما بداخلها.

إذن الجنة هذه كثيرة كثيفة، يجب أن تكون كذلك، لأنها لا تكون جنة إلا إذا كانت من الكثافة والكثرة بحيث إنها تستر ما بداخلها.

فائدة الربوة في ظهور الجنة من بعيد وما يدل عليه ذلك من إظهار النعمة

﴿بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، فما فائدة هذه الربوة؟ قال: تفيد الظهور، لأن التلة العالية هكذا تراها من بعيد؛ عندما تكون مستوية في الأرض تراها من قريب، وعندما تكون بعيدة لا تراها، ولكن الربوة تراها من بعيد فتجدها مرتفعة هكذا.

إذن الجنة هنا فيها صفتان:

  • الصفة الأولى: أن فيها النماء والبركة والكثرة، لأنها جنة وليست جنينة، هذه جنة.
  • الصفة الثانية: أنها ظاهرة وظاهرة لمساحة كبيرة.

وهذا معناه ماذا؟ أن الله سبحانه وتعالى يظهرك ويظهر نعمته عليك، أي معناه أنه سيجعل سمعة حسنة؛ الناس يوم القيامة سيقولون: الله، ربوة من الجميلة التي هناك! فيقال: هذه ربوة فلان. فتكون إذن هذه بركة ظاهرة وليست خفية.

نعم الله الظاهرة والخفية وثمرة الإنفاق الخالص بلا منٍّ ولا أذى

وما هي إلا من نعم الله التي لا تحصى؛ ومنها نعم خفية لا يعرفها إلا الإنسان مع ربه، وهناك نعم ظاهرة. فربنا [يقول]: لأنك أنفقت ولم تتبع ما أنفقت منًا ولا أذى، فإنه سبحانه وتعالى يعطيك بركة ظاهرة تفتخر بها، أو يفتخر بها من أجلك وسط الناس.

وبعد ذلك: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، هي [الجنة] نقصها هذا؛ هذه جنة، لكن عندما ينزل المطر عليها يهزها هكذا ويجعلها خضراء وطرية ويجعل ثمرها أكثر حلاوة، لأن المياه هكذا تفعل هكذا.

فآتت أكلها ضعفين؛ الله! انظر إلى هذه الجنة، هذه الشجرة عادة تنتج خمسة كيلوغرامات أو عشرة كيلوغرامات أو مائة كيلوغرام، هذه تنتج مائتي كيلوغرام.

﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، لكي تكثر هكذا، لأنها كثرت حتى ازدحمت، فظل [الطل] ينظفها من التراب.

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، فالله مطلع على ما في نفسك فتنبه. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.