سورة البقرة | حـ 319 | آية 267 - 268 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 319 | آية 267 - 268 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الإنفاق واجب على المؤمنين بأمر من الله تعالى، وهو إما في صورة الزكاة أو حقوق أخرى تفرضها حاجة الأمة.
  • يجب على أغنياء المسلمين الإنفاق على البحث العلمي كفرض واجب لمواجهة حاجات الأمة، فمن ينشئ جامعة أو مختبراً يفتح لنفسه باباً إلى الجنة.
  • قوة المؤمن تكمن في عمارة الدنيا وإصلاحها بالعلم، وخير ما ينفق فيه المال هو العلم والبحث العلمي.
  • اشترط الله للإنفاق المقبول أن يكون من طيبات الكسب، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً.
  • نهى الله عن اختيار الرديء والفاسد للإنفاق، وسماه خبيثاً، فلا يصح التقصد إلى إخراجه.
  • الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، بينما الله يعد بالمغفرة والفضل.
  • الإنفاق الصحيح يكون بالنية الخالصة والمال الطيب، والله واسع في عطائه، عليم بالنيات.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

افتتاح الدرس بالدعاء والبسملة والتمهيد لتفسير آية الإنفاق من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وافتح علينا فتوح العارفين بك، اللهم أنزل السكينة على قلوبنا وعلمنا مرادك من كتابك يا أرحم الراحمين.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ما يزال يعلمنا دستور الإنفاق في القرآن:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا﴾ [البقرة: 267]

إذن فهذا خطاب للمؤمنين.

وجوب الإنفاق في الإسلام وصوره من الزكاة وما سواها من حقوق المال

أنفقوا، إذن الأمر للوجوب، يبقى إذن الإنفاق واجب ما لم تصرفه قرينة تدل على غير ذلك [أي ما لم يوجد دليل يصرف الأمر عن الوجوب]. والإنفاق الواجب إما أن يكون في صورة الزكاة، ولكن هناك حق في المال سوى الزكاة يُفرض على المؤمن عندما تحتاج الأمة إليه.

نحن الآن في أمسّ الحاجة إلى البحث العلمي، فلا بد لأغنياء المسلمين أن ينفقوا من سعتهم في البحث العلمي فرضًا واجبًا على كل قادر منهم. من يُنشئ جامعة فإنه يُنشئ بابًا لنفسه إلى الجنة، ومن يُنشئ مختبرًا فإنه يُنشئ بابًا لنفسه إلى الجنة.

أهمية الإنفاق في العلم والبحث العلمي لتحقيق القوة التي أمر الله بها

بناء المساجد مهم، وطباعة الكتب مهمة، وإحياء التراث مهم، ولكن الأهم هو أن نمتثل لله ورسوله وأن نكون أقوياء:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]

وقوة المؤمن في عمارة الدنيا، وعمارة الدنيا لا تكون إلا بإصلاحها، والإصلاح لا يكون إلا بالعلم. ولذلك فإن خير ما تنفق فيه مالك هو باب العلم والبحث العلمي.

شرط قبول الإنفاق أن يكون من الطيب الحلال لا من الخبيث

أنفقوا، ولأنك تريد أن تنفق في سبيل الله فربنا سبحانه وتعالى يُقيّد قبول ذلك [الإنفاق]:

﴿مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267]

من طيبات ما كسبتم، يبقى إذن:

«إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا»

فإذا أنفقت فلا بد عليك أن تنفق من طيب مالكم.

﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]

يبقى هناك أشياء تأتينا بأعمالنا وجهدنا، وهناك أشياء تأتينا ولو من غير عملنا وجهدنا وإنما من رزق الله المباشر لنا؛ مثل الثروات الخاصة بالبترول والغاز والمعادن، لا حول لنا فيها ولا قوة، ولا تستطيع البلاد أن تُنشئ لنفسها هذا [الرزق] إذا لم يُخرج الله هذا الرزق من الأرض، فإنه يجب علينا أن ننفق منه فيما أمرنا الله.

النهي عن تعمد اختيار الخبيث والفاسد للإنفاق في سبيل الله

﴿وَلَا تَيَمَّمُوا ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267]

من ضمن آداب الإنفاق ألا تختار الفاسد وتعطيه في سبيل الله، الذي سماه ربنا الخبيث.

لماذا هو خبيث؟ لأن نيتك خبيثة؛ تريد أن تتخلص منه، تريد أن تعطي التالف والفاسد لله في صورة إعطائها للفقراء أو إعطائها للأغراض التي أمرنا الله بها.

ولا تيمموا، لا تقصدوا، فالتيمم هو القصد، الخبيث منه، يعني لا تختاروا الخبيث عمدًا هكذا تنفقون.

لو أُعطيتم الفاسد ما قبلتموه فكيف تقدمونه لله الغني الحميد

﴿وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 267]

أنتم لو أعطاكم أحد هذا الشيء الفاسد ما كنتم لتأخذوه، فلماذا تعطونه لله إذن؟ إلا إذا كنتم ستُغمضون أعينكم عنها، إلا إذا كنتم ستقبلونها على مضض.

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: 267]

إذا كنتم تقدمون هذه الأشياء لله فالله غني، هو قادر على أن يرزق عباده وقادر سبحانه وتعالى على أن يقول للشيء كن فيكون، فهو ملك السماوات والأرض. فاعرف أيها الإنسان التافه من تخاطب! أتقدم هدية لربنا ثم تختار الفاسدة؟ عيبٌ عليك، معناها هكذا، هو غني حميد فاتقوا الله.

الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة وفضلا

الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، فلسفة الفقر [التي يزرعها الشيطان]: أنا أعطي هذه لكي أتخلص منها. لا! أعطِ الجميلة ودَعْ هكذا قلبك مفتوحًا لها، قُم ربنا يأتي لك مثلها عشر مرات.

الشيطان الذي يوسوس لكم هكذا ويخلط لكم المفاهيم يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء؛ لأن إذا تأملت قليلًا في فعلك الخبيث هذا ستجد أنه يعني قلة أدب مع الله غير متناهية.

والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا، كيف تطيعون الشيطان وتتركون ربكم؟ والله واسع عليم.

قاعدة عامة في الحياة: وسوسة الشيطان فقر وفحشاء وأمر الله مغفرة وفضل

فهذه قواعد جاء بها [القرآن الكريم] في سياق الإنفاق ولكنها تنطبق على كل الحياة. كل وسوسة من الشيطان لك فيها وعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وكل خطاب الله لك فيه دعوة إلى المغفرة ودعوة إلى الفضل والزيادة.

وهذه قاعدة: أن الشيطان إنما هو عنوان الفقر والفاحشة، وأن أمر الله إنما هو عنوان المغفرة والفضل.

والله واسع عليم، يعني يؤتي من يشاء ما يشاء، ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويؤتي الحكمة من يشاء وينزع الحكمة ممن يشاء سبحانه، هو الرزاق ذو القوة المتين.

خاتمة الدرس بالدعوة إلى التقوى والإخلاص لله سبحانه وتعالى

والله واسع في عطائه عليم بكم في نياتكم، فكونوا عباد الله أتقياء أنقياء متوجهين إلى الله سبحانه وتعالى مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.