سورة البقرة | حـ 320 | آية 269 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 320 | آية 269 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الحكمة نعمة من الله يؤتيها من يشاء من عباده، وتأتي من الجذر "حكم" الذي يعني الضبط والإتقان والقضاء بين الناس.
  • الحكمة هي وضع الشيء في مكانه الصحيح، والحكيم هو من يدرك الزمان والمكان والأشخاص والمقاصد المطلوبة في المواقف المختلفة.
  • من الحكمة مراعاة عقول المخاطبين، فليس كل ما يُعلم يُقال، وليس كل ما يُقال حان أوانه، وليس كل ما حان أوانه حضر أهله.
  • قال علي رضي الله عنه: "خاطبوا الناس على قدر عقولهم"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم".
  • الكلمة يملكها الإنسان قبل النطق بها، وبعد النطق بها تصبح هي المالكة له كما قال الإمام الشافعي.
  • الفرق بين العلماء الحكماء والمتصدرين الأغبياء أن المتصدر قبل التعلم كالزبيب قبل النضج.
  • وراء فهم الكتاب والسنة لا بد من فهم واعٍ ومراعاة لمقاصد الشريعة وأهداف الدين.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الحكمة من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يمنّ الله سبحانه وتعالى علينا بمننه التي لا تتناهى،

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

فيقول سبحانه:

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]

معنى الحكمة لغةً من جذر حكم وما يتضمنه من دلالات

وفي هذه الآية يمنّ الله على بعض عباده بأن يؤتيهم الحكمة. وكلمة الحكمة أتت من الجذر "ح ك م"، و"حَكَمَ" معناها: ضبطَ وأتقنَ، ومعناها: قضى بين الناس، ومعناها: أمرَ، ومعناها: أنه بذل جهدًا.

ومن هنا سُمّي الشيء المُحكَم -أي المُتقَن- بذلك محكمًا؛ ولذلك فالمُحكَم صفة من صفات القرآن الكريم. وسُمّي ذلك الذي يصدر من القاضي للقضاء بين الناس ورفع النزاع ومنع مادة الخصام بالحُكم. وسُمّي ذلك الخطاب الرباني الإلهي بالأمر والنهي بحُكم الله.

تعريف الحكمة الجامع وضبط الأمور وامتثال أمر الله ونهيه

وذلك يبين لنا أن كل هذه المعاني تدخل في معنى الحكمة. فالحكمة هي أن تضبط الأمور وأن تتقنها، وأن ترفع النزاع والخصام بها، وأن تمتثل إلى أمر الله ونهيه سبحانه وتعالى.

فإذا فعلت ذلك كنت حكيمًا، وإذا لم تفعل ذلك فلست من الحكمة في شيء. ويلخص ذلك كله قولهم: إن الحكمة هي وضع الشيء في مكانه الصحيح.

متى يكون الإنسان حكيمًا بإدراك الزمان والمكان والمقصد والغاية

متى تكون حكيمًا؟ عندما تدرك الزمان الذي حولك، وعندما تدرك أين أنت [أي المكان]، وعندما تدرك مع من تتكلم، وعندما تدرك الحالة التي تعيش فيها، وعندما تدرك المآل والهدف للموقف الذي أنت فيه، وعندما تدرك المقصد والغاية الذي يجب عليك أن تتغيّاه.

فإن كنت مدركًا لذلك واعيًا به فأنت حكيم. وإن لم تكن كذلك بأن غاب عنك الزمان أو المكان، أو بأن غاب عنك الشخص فاختلط عليك الحال، أو بأن فقدت الغاية والقصد، فإنك لست بحكيم.

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 269]

فالحكمة أن تضع الشيء في مكانه الصحيح، فإذا لم تضعه في مكانه الصحيح فلست بحكيم.

أثر سيدنا علي وحديث النبي في مخاطبة الناس على قدر عقولهم

ومما يُؤثر عن سيدنا علي رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: ليس كل ما يُعلم يُقال، خاطبوا الناس على قدر عقولهم.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أيّما رجلٍ قد خاطب الناس بما لا يصل إلى عقولهم إلا كان فتنةً عليهم»

ويقول [صلى الله عليه وسلم]:

«نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم»

فلا بد أن يكون الخطاب على قدر عقل من أمامك [أي المتلقي]. ليس كل ما يُعلم يُقال، ولا كل ما يُقال آنَ أوانه؛ أي أنه قد يكون هناك شيء تستطيع أن تقوله، لكن ليس الآن.

حكمة الإمام الشافعي في التحكم بالكلمة قبل النطق بها

ولذلك كان الإمام الشافعي يقول: الكلمة تملكها حتى تنطق بها، فإنها تملكك بعد أن تنطق بها؛ تصبح هي التي تملكك وليس أنت الذي يملكها.

لأنك أنت قبل أن تنطق إما أن تقول وإما ألّا تقول، أنت الذي يملكها، تستطيع أن تتحكم فيها. قلتَها فأصبحت حجةً عليك.

إذن: ليس كل ما يُعلم يُقال، وليس كل ما يُقال حان أوانه، وليس كل ما حان أوانه حضر أهله. انتبه!

مراعاة حال المخاطبين وأهمية اختيار الجمهور المناسب للكلام

يعني جاء الزمن ونقول [أي نريد أن نتكلم]، ولكن هل أمام هؤلاء؟ لستم أنتم [أي ليس المقصود الحاضرين]، ولكن لا بد أن تراعوا المخاطَبين. يجب أن تراعوهم.

انظر: نعم الكلام يُقال، نعم من النوع الذي يُقال، والزمن الخاص به أيضًا يمكن أن يُقال إن شاء الله الآن، ولكن ليس مع هؤلاء بل مع أشخاص آخرين في الناحية الأخرى. هكذا وليس مع هؤلاء؛ لأن الكلام مع هؤلاء يجلب المشاكل ولا يفهمونه.

ولا كل من حضر أهله قَدَرَ عليه؛ يعني هو أهله موجودون، ولكن عندما تقول له ذلك قُل له برفق، فقد لا يقدر عليها؛ إنه [أي الحكيم] عطوفٌ جدًّا بالناس. هذه هي الحكمة، الحكمة أن تضع الشيء في مكانه الصحيح.

الفرق بين العلماء الحكماء والمتصدرين الأغبياء وضرورة مراعاة مقاصد الشريعة

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 269]

هذا هو الفرق بين العلماء الحكماء وبين المتصدرين الأغبياء. بعض الناس يتصدر هكذا قبل أن يتعلم، ومن تصدّر قبل أن يتعلم كمن تزبّب قبل أن يتحصرم [أي جعل نفسه زبيبًا وهو لا يزال حصرمًا]؛ يُلخبط الدنيا.

تقول لك: أنا أقرأ القرآن، نعم أنت تقرأ القرآن وتحفظه كله. وأقول السنة، نعم، ولكن أنت تقولها بطريقة غير مرتبة، وهذا لا يصلح. فلا بد من وراء الكتاب والسنة من فهمٍ واعٍ، ومن مراعاة لمقاصد الشريعة الشريفة، ومن مراعاة لأهداف هذا الدين العامة، لا بد وإلا تكون فوضى.

ختام الدرس بتأكيد أن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

لأنه يضع الشيء الصحيح في المكان الصحيح.

﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.