سورة البقرة | حـ 323 | آية 271 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 323 | آية 271 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يتحدث النص عن آية "إن تبدوا الصدقات فنعما هي" موضحاً أن إبداء الصدقات يعد من الأمر بالمعروف وإشاعة الخير.
  • يروي قصة النبي صلى الله عليه وسلم عندما دعا الناس للتصدق على الفقراء، وكيف أن أحد الصحابة بادر بالتصدق فاقتدى به الباقون.
  • يشرح معنى الحديث "من سن سنة حسنة" وكيف أن السنة الحسنة هي ما كانت موافقة للدين كصلاة التراويح وقراءة القرآن جماعة.
  • يوضح أن إخفاء الصدقة خير لصاحبها لأنها تكون أقرب للإخلاص.
  • يبين أن المؤمن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر.
  • يشير إلى أن الله يكفر السيئات ويستجيب للدعاء.
  • يؤكد أن المسلم يعرف ربه بصفاته وأسمائه الحسنى، وأن القرآن يشتمل على حقائق إيمانية توضح صفات الله تعالى.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تفسير آية إبداء الصدقات من سورة البقرة وفضلها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِن تُبْدُوا ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ﴾ [البقرة: 271]

يعني فنِعْمَ هي. لماذا؟ لأن إبداء الصدقات فيه نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه نوع من إشاعة الخير بين الناس.

قصة تصدق الصحابي أمام النبي وتشجيع الناس على الصدقة

جاء بعض الفقراء إلى المسجد النبوي الشريف وجلسوا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ودعا الناس أن يتصدقوا على إخوانهم الفقراء الواردين القادمين إلى المسجد. فكأنه تلكّأ الناس وأخذ كل واحد ينظر يمينًا وشمالًا؛ انظر، أي عندما يريد الشخص أن يتهرب يحدث له هكذا.

قال: فتغيّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم غضبًا، فقام أحد الصحابة فأتى بصُرّتين - والصُّرّة [هي الكيس] التي نعرفها - أي بصُرّتين ثقيلتين لا يقدر على حملهما، فوضعهما بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فاستبشر خيرًا.

فقام الناس فتصدقوا لمّا رأوا هذا الرجل، وقالوا: يا له! قد أحضر شيئًا كثيرًا، وأنا أيضًا معي شيئًا في جيبي أريد أن أتصدق به، وتشجعوا جميعًا وتصدقوا بما معهم.

حديث من سنّ سنة حسنة وتعريف البدعة الحسنة والقبيحة

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من سنّ سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من اتّبعها إلى يوم الدين، ومن سنّ سنةً سيئةً فعليه وِزرها ووِزر من اتّبعها إلى يوم الدين»

أمّا الكلمات المصرية في البداية فترجمتها: جدًّا، يعني حسنًا، أنا معي في جيبي الآن شيء، إنني هكذا، كل واحد ماذا، بدأ نفسه انفتحت.

فعرف العلماء من هذا [الحديث] معنى البدعة القبيحة، وهي أن تكون مناقضة للدين؛ فإذا كانت حادثة موافقة للدين ولما أمر رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كانت سنة حسنة، حتى ولو لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها نوع من أنواع تطبيق الشريعة.

أمثلة على السنة الحسنة كصلاة التراويح والقراءة الجماعية للقرآن

ولذلك كانت من السنة الحسنة صلاة التراويح التي سنّها سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه. وكان من السنة الحسنة أن يجتمع الناس لقراءة القرآن في المغرب العربي؛ لمّا دخل المسلمون وجدوا البربر يثقل عليهم قراءة القرآن، فقرأوه جماعةً، فلانت ألسنتهم بالعربية وبالقرآن وبذكر الله، فدخل الإسلام فيهم جدًّا.

فتقول هذه بدعة؟ بدعة كيف؟ هذه سنة حسنة؛ لأنها طبّقت الدين وحبّبت الناس في الله ورسوله وكتابه وذكر ربنا سبحانه وتعالى.

إبداء الصدقة دعوة إلى الخير وإخفاؤها إخلاص لله تعالى

قال الله تعالى:

﴿إِن تُبْدُوا ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ﴾ [البقرة: 271]

يصبح إذن إبداء الصدقة هو نوع من أنواع الدعوة إلى الخير، نوع من أنواع الحثّ على فعل الخير.

﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 271]

أيضًا. لماذا قال هذا؟ إنها مسألة نفسية؛ لأن الإنسان يريد أن يكون بينه وبين الله عمل خالص، سرّ في الخفاء، لا يريد به رئاء الناس. إذا تصدقت في العلن فانوِ الدعوة إلى الخير، وإن تصدقت في الخفاء فانوِ الإخلاص لله.

حديث عجب أمر المؤمن وحاله بين السراء والضراء والعلن والسر

قال رسول الله ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله لخير؛ إن أصابته سرّاء شكر، وإن أصابته ضرّاء صبر»

ما هذا! لا مثيل له، فإن كل حياته حلوة. يسير هكذا: أصابته سرّاء، فيقوم يشكر، وينفق، ويُظهر العبادة، ويقوم ينوي بها الخير. أصابته ضرّاء، فيقوم يصبر، أو يُسِرّ العبادة، ويقوم ينوي بها الإخلاص.

وهكذا العلن والسر، والسرّاء والضرّاء، والحرب والسلم، عنده سواء؛ فإنه يعلّق قلبه بالله رب العالمين في كل حال. ولذلك هو عبد ربّاني، إذا مدّ يده إلى السماء قائلًا: يا رب، استجاب الله له.

تفسير قوله تعالى ويكفر عنكم من سيئاتكم كحقيقة إيمانية مستقلة

﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمْ﴾ [البقرة: 271]

هذا كلام مستقل، لم يقل: وإن تخفوها وتؤتوها يكفّر عنكم، لا. هذه مضمومة الراء: "ويكفّرُ عنكم"، فيكون كلامًا ابتدأ هكذا، ليس له علاقة بالآية [السابقة]، بالشرط الماضي.

"ويكفّرُ عنكم" يعني هو شأنه هكذا سبحانه وتعالى جلّ جلاله. من الحقائق الإيمانية أنه يكفّر عنا سيئاتنا. "ويكفّرُ عنكم من سيئاتكم"، أيضًا "مِن" يعني ولو كانت قليلة أو كثيرة.

﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 271]

حقيقة إيمانية [أخرى]؛ فيكون كل هذا القرآن يشتمل على حقائق إيمانية تستطيع أن تتتبّعها فتخرج بصورة واضحة جليّة لهذا الدين، وتخرج بصفات ربك سبحانه وتعالى، وتعلم من تعبد.

تميّز المسلمين بمعرفة صفات الله عن غيرهم من أصحاب الأديان

ذكرنا أن كثيرًا من الأديان لا تعرف من تعبد. ولو سألتهم: ربنا هذا ما شكله؟ يعني ما صفته؟ بماذا يتصف؟ ما الأمر؟ يقول لك: لا أعرف.

لكننا نحن نعرف ونستطيع أن نقول إنه هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ المصور، الغفار القهار الفتاح العليم، القابض الباسط الخافض الرافع، المعزّ المذلّ.

ما هذا؟ ما هذه القصة؟ نحن نعرف بالضبط من نعبد.

حقائق إيمانية من آية الصدقات وختام الدرس بالدعاء

ونضيف إليها أن ربنا ضد الظلم:

﴿وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: 270]

وأن ربنا يعلم السرّ وأخفى.

﴿إِن تُبْدُوا ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 271]

وأن ربنا يكفّر عنا سيئاتنا: "ويكفّرُ عنكم من سيئاتكم"، وأن ربنا بما نعمل خبير:

﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 271]

وهكذا كل آية تبيّن حقيقة إيمانية إنما هي ترسم لنا في إيماننا من نعبد، من غير تشبيه ولا تعطيل، ومن غير تأوّل على الله؛ فإن الذي أخبرنا عن نفسه هو الله.

فاللهم يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.