سورة البقرة | حـ 325 | آية 273 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 325 | آية 273 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • الآية الكريمة في سورة البقرة تبين دستور الإنفاق للفقراء المحصورين في سبيل الله الذين لا يستطيعون التنقل.
  • يطبق هذا على أهل غزة المحاصرين الذين منعوا من الغذاء والدواء والكهرباء والمياه النظيفة.
  • يشمل أيضاً قدماء المحاربين المعاقين الذين يحتاجون لمؤسسات ترعاهم وتقوم بشؤونهم.
  • هؤلاء الفقراء يتميزون بالتعفف، حيث يحسبهم الجاهل بحالهم أغنياء لعدم سؤالهم الناس.
  • يمكن التعرف عليهم بسيماهم وهيئتهم، فالله ينور قلب المؤمن ليدرك حاجتهم.
  • يختلفون عن المتسولين الذين يسألون الناس إلحافاً، ولكل فئة طريقة للتعامل معها.
  • كل ما ينفقه المسلم من خير قليلاً كان أم كثيراً لا يضيع عند الله بل ينميه.
  • الصدقة تنمو حتى تأتي يوم القيامة كجبل أحد، ويكتب للمتصدق ثواب من اقتدى به.
  • الدال على الخير كفاعله، ومن يرشد الناس للإنفاق له أجر مثلهم.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة تلاوة آية الإنفاق على الفقراء المحصرين في سبيل الله من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا دستور الإنفاق في القرآن:

﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 273]

تنزيل آية الإحصار على واقع أهل غزة المحاصرين في سبيل الله

﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 273]

إذن هم محاصرون كأهل غزة، حيث حاصروهم وضيّقوا عليهم من أجل أنهم يطالبون بفك الأسرى.

أما الأسرى الذين يقعون بين يدي المسلمين فيُطعَمون الطعام على حبه:

﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 8-9]

يُعامَلون معاملة حسنة. وأما الأسرى الذين يقعون هنا وهناك [في سجون الاحتلال] فيذهبون يعملون لهم برامج لحقوق الإنسان وحقوق الأسرى، يطالبونهم في معاهدات دولية فلا يفعلونها.

وصف حال أهل غزة المحاصرين وانطباق الآية على واقعهم المعاصر

إذن فالإنفاق في سبيل الله أيضًا لأولئك الفقراء الذين أُحصِروا في سبيل الله. وانظر كيف أن بقية الآية تنطق في عصرنا؛ أهل غزة حاصروهم، منعوا عنهم الغذاء، ومنعوا عنهم الدواء، ومنعوا عنهم الكهرباء، ومنعوا عنهم المياه النظيفة إلى آخره.

هؤلاء يستحقون النفقة والصدقة؛ لأنهم حوصروا في سبيل الله.

﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 273]

أي لا يستطيعون التحرك في الأرض. وأيضًا حملها العلماء على قدماء المحاربين المعاقين؛ فإنهم أيضًا يجب علينا أن نُنشئ لهم مؤسسات ترعاهم وتقوم بشؤونهم وتعالجهم؛ لأنهم لا يستطيعون ضربًا في الأرض.

معنى الجاهل في الآية وأنه الجاهل بحالهم لا الجاهل بالعلم

وهنا يأتي بصفة أخلاقية:

﴿يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273]

الجاهل يعني الجاهل بحالهم. حسنًا، كلمة "بحالهم" أين ذهبت؟ قال [العلماء]: حُذفت لأنه قد دلّ عليها السياق.

﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾، هو في الحقيقة كل الناس يحسبونهم أغنياء؛ لأنهم لا يسألون الناس إلحافًا، لأنهم متعففون.

"يحسبهم الجاهل" يعني بحالهم، وليس الجاهل بمعنى أنه يجهل معرفة الله أو أنه يجهل مثلًا العلم أبدًا. الجاهل هنا يعني الذي يجهل حالهم، لا يعرف حقيقتهم. أغنياء من عفة النفس هكذا وعظمتها وإبائها، من التعفف؛ لأنهم يتعففون.

معنى تعرفهم بسيماهم وكيف يُعرف المحتاج من هيئته بنور الله

﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ﴾ [البقرة: 273]

فكيف عرفتَ إذن [أنهم محتاجون]؟ يقول ربنا هكذا: يعطي نورًا تعرف به الواحد؛ تعرفه من عينيه، تعرف أنه واقع في أزمة، تعرف أن فيه مشكلة. فربنا ينوّر قلبك وتدرك هذا بهيئته هكذا بسيماهم.

﴿لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273]

لا يتسوّلون. ولذلك الذي يسأل الناس إلحافًا ليس من هذا الصنف [صنف المتعففين]، وإنما من صنف آخر نعطف عليه من طريق آخر، وهو طريق التكافل الاجتماعي.

التحذير من سؤال الناس بلا حاجة وعقوبته يوم القيامة

وهو طريق [التكافل الاجتماعي]: إذا جاءكم السائل يركب فرسًا فلا تردّوه، يعني الله أعلم يمكن أن يكون محتاجًا. ولكن احذروا هذا الذي يسأل الناس إلحافًا.

وقال [النبي ﷺ] في شأنه:

قال رسول الله ﷺ: «إذا سأل أحدكم بلا حاجة فإنه يُنكَت في وجهه نكتة سوداء، ويأتي بها يوم القيامة»

كلما سأل كلما يُنكَت في وجهه نكتة سوداء. كل سؤال من الشحاذين المتسولين غير المحتاجين يُنقَط في وجهه نقطة، أي نكتة سوداء. نكتة بالكاف ولكن معناها نقطة سوداء، حتى يأتي يوم القيامة ووجهه أسود عند الله.

الحث على الإنفاق قليلًا أو كثيرًا سرًّا وعلانية وأن الله به عليم

الذين لا يسألون الناس إلحافًا:

﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 273]

أي قليلًا كان أم كثيرًا، فلا تستهينوا بما تنفقون. أنفقوا ولو بالقليل، سرًّا وعلانية كما تعلمنا من قبل؛ فإذا كان علانية فمن أجل الدعوة، وإن كان سرًّا فمن أجل الإخلاص.

﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 273]

أي فلا يضيّعه. فإن الله به عليم يعني يكثّره وينمّيه.

نمو الصدقة حتى تأتي يوم القيامة كجبل أحد وثواب الدلالة على الخير

وتأتي يوم القيامة فتجد ما أنفقت ولو كان شقّ تمرة تتقي بها النار، وتربو الصدقة حتى تأتي يوم القيامة كجبل أحد في الحديث. هكذا أن الصدقة تنمو، يعني تزداد حتى تأتي يوم القيامة كجبل أحد.

تصوّر أنك أنفقت نفقة قليلة، ثم بعد أن أنفقت نفقة قليلة، ثم بعد ما أنفقت نفقة قليلة قلّدك آخرون فوسّعت على الناس، فكان سبب التوسعة مَن؟ حضرتك. فتأتي يوم القيامة لك ثوابك وثواب من أرشدتهم إلى الخير.

وقد يكون ذلك شائعًا ذائعًا يتعدى الزمان والمكان، فإذا به إلى يوم القيامة والناس تتندّر بما أنفق الأولون وينفقون مثلهم، فيأخذ هو أجر أيضًا الدلالة على الخير؛ فإن الدالّ على الخير كفاعله.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.