سورة البقرة | حـ 326 | آية 274 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية الكريمة "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" تمثل دستور الإنفاق في القرآن الكريم.
- •رحمة الله وفضله تتجلى في تعجيل الأجر للمنفقين في الدنيا قبل الآخرة، فالناس بطبيعتهم يحبون رؤية نتائج أعمالهم سريعاً.
- •بركات الإنفاق تظهر في الأولاد والصحة والعلم والعمل وفي حياة المرء وبعد مماته.
- •سر انتشار الدين بين الناس هو رؤيتهم لبركاته بأعينهم في حياتهم، مما يجعلهم متمسكين به رغم دعوات الإلحاد.
- •المؤمنون لا يشعرون بالخوف والحزن، وتطمئن قلوبهم بذكر الله، مما يدهش غير المتدينين.
- •الإنفاق المطلوب يكون في جميع الأوقات (بالليل والنهار) وبجميع الصور (سراً وعلانية) ومن مختلف أنواع الأموال.
- •المؤمن الحقيقي ينفق بلا تردد، معتقداً أن ما أنفقه هو الباقي وليس ما احتفظ به.
مقدمة في دستور الإنفاق في سورة البقرة وآية الإنفاق بالليل والنهار
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا دستور الإنفاق في القرآن الكريم فيقول:
﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 274]
هذه العبارة ختمت بها آيات [الإنفاق]، ومعناها أن الله سبحانه وتعالى يعطي لنا في الدنيا ويعطي لنا في الآخرة، وليس فقط الأمر متصلًا بالآخرة فحسب، والأجر منتظرًا في الآخرة فقط.
رحمة الله بالعباد في تعجيل أثر الإنفاق في الدنيا قبل الآخرة
فإن الناس فيهم عجلة ويحبون أن يروا أثر ما يفعلون في الدنيا، فالله سبحانه وتعالى من رحمته بنا ومن واسع فضله علينا جعل هذا؛ فجعل أمرًا يعود إلى الدنيا سريعًا، تراه بعينك وترى البركة وتشعر بها وتفهمها.
وهناك أيضًا ما هو مدّخر لك يوم القيامة، ولكن يوم القيامة لم نذهب إليه ولم نره. يقول لك: هذا هو الذي يحدث، ها هو ربنا بارك في أولاده، ربنا بارك في صحته، ربنا [بارك] في علمه، ربنا وهو حيّ وهو ميت، ربنا بارك في عمله، وهكذا.
تمسك الناس بالدين رغم محاولات صرفهم عنه وسبب ذلك
وهذا هو الأساس لانتشار الدين بين الناس وتمسك الخلق بالدين. تجد الناس متمسكة بالدين، يأتي الذي يدعوهم إلى عدم التدين ويبذل جهدًا ويقدم حججًا ويتكلم بلسان فصيح، والناس كما هم متمسكون بالدين أيضًا.
ييأس ويقول: ماذا هذه العقلية الخرافية؟ لماذا الناس لا تترك الدين؟ الناس لا يسألون فيه، ما الأمر؟ إن الناس قد رأت البركة بأعينها في حياتها، إن الناس قد رأت فضل الله عليها. وبعد ذلك أنت تأتي بهذا الكلام الفارغ!
عجز دعاة الإلحاد والعلمانية أمام تمسك الناس بالإيمان والعبادة
الذي يقول لا يوجد ربنا، والذي يقول بل يوجد ربنا لكن ليس له علاقة بيننا، والذي يقول نعم في ربنا فقط يعني الذي أنتم عليه هذا خطأ، وهكذا. يقوم الناس فينظرون إليه هكذا ويهزون رؤوسهم: آه، كلامك أيضًا جميل، وأيضًا ماضٍ في الدين!
شيء غريب جدًّا، بعد أن نقعد نقنعهم سنتين ثلاث عشرة مائة، وهذا لا فائدة منه ولا كأنه سمع! وفي النهاية يقول: نعم، حسنًا، ما علينا، واحدة تلو الأخرى هكذا.
فما الذي يحبه الله حتى نفعله؟ والناس لماذا متشبثة هكذا؟ هذا في دول أعلنت العلمانية والخروج من الدين بالكلية، وما من فائدة يا أخي! بعد ثمانين سنة الناس مسلمون أيضًا، يصلون ويصومون ويحجون ويدعون ويذكرون ويلجؤون إلى الله.
سر تمسك الناس بالدين مرتبط بوعد الله في آية الإنفاق بنفي الخوف والحزن
حسنًا وبعد ذلك ماذا نفعل بهم هؤلاء؟ نقطعهم؟ لماذا هذا؟ قال: ألستم منتبهين؟ أتعرفون لماذا؟ بسبب هذه الآية:
﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 274]
هذا في الآخرة.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 274]
هذا في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 274]
وهذا في الدنيا والآخرة.
إذن واحدة في الآخرة، وواحدة في الدنيا والآخرة.
شهادة رجل على بركة الإنفاق في سبيل الله وأثرها في رزقه أربعين سنة
أحدهم قال لي: لا، حتى هذه الثلاثة في الدنيا والآخرة أيضًا، حتى أجرهم هذا أنا رأيتها. أقول له: كيف؟ قال لي: والله لا أُخرج شيئًا في سبيل الله إلا وأُرزق عشرة أمثاله منذ أربعين سنة!
قلت له: والله هذا شيء أيضًا خاصتك أنت، هذا أنت رأيتها، ها هو. ولكن عامة الناس عندما يتدينون لا يشعرون بالخوف، وتطمئن قلوبهم إلا بذكر الله. نعم، تطمئن القلوب، وتجدهم سبحان الله لا يوجد حزن ولا اكتئاب؛ يحزن ويفرح ويسعد.
الدين يمنح الإنسان السكينة والطمأنينة وهذا من فعل الله وحده
والناس تنظر إليه من ظاهره يقولون: كل المشكلات التي أنت فيها هذه ومع ذلك تضحك؟ يقول له: ماذا أفعل؟ يقول: سبحان الله! هذا الدين، هذا أفيون الشعوب! الدين أفيون الشعوب.
حسنًا، وهذا بيد أحد؟ بيدي أم بيد النبي ﷺ أم بيد واحد منا؟ هذا ملك لله؛ الذي يهدئ البال، الذي يهدئ السر، الذي يصلح الحال. هذا الله الذي يجعل الإنسان لا يشعر لا بالخوف ولا بالحزن. هذا الله، هذا ليس في أيدينا يا أخانا، هي هكذا.
الإنسان مفطور على أنه يتدين؛ لأنه يرى هذا التدين بعينيه في الدنيا.
معنى الإنفاق بالليل والنهار سرًّا وعلانية وتعدد أنواع الأموال المنفقة
فيقول ربنا [سبحانه وتعالى]:
﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ [البقرة: 274]
بالليل والنهار، آه يعني في الضياء والمعيشة وفي السر والخفاء. ولذلك قال سرًّا وعلانية؛ لأنه يمكن أن يكون بالنهار سرًّا وعلانية، وبالليل سرًّا وعلانية. أنفقنا.
وهذا دليل على ماذا؟ الذين ينفقون أموالهم ليس مالهم لكن أموالهم؛ يعني مرة يخرج من بستانه، ومرة يخرج من الأموال، ومرة يخرج من الأشياء، ينفق في سبيل الله هكذا هو من جميع أمواله وأنواعها.
قال: فجمعها ليدل على تعدد الأنواع؛ فهناك مال عبارة عن حيوانات وهي ثروة حيوانية، وهناك مال عبارة عن ثروة زراعية، في مال عبارة عن نقدية، في المال عبارة عن كذا وكذا، فهو ينفق من كل أمواله.
الإنفاق كالريح المرسلة بلا توقف والعقيدة العجيبة في أن المال لا ينقص بالصدقة
حسنًا وبعد ذلك قال: ما هذا التركيب؟ بالليل والنهار سرًّا وعلانية. قال: يعني كأنه كالريح المرسلة، كما قلنا من قبل: أنفق بلا، لا، من غير أن تقول لا، ما دام في سبيل الله ولا تخشى من ذي العرش إقلالًا.
حسنًا، هذه عقيدة عجيبة هذه! هذا نحن، أنا معي ألف، أنفقت خمسمائة ستمائة، يتبقى أربعمائة، تنقص. قال: لا، عقيدتي أنا لا تنقص! الأربعمائة هؤلاء هم الأذية، والستمائة التي ذهبت هم الذين تبقوا!
آه، هذه تحتاج إلى قلب آخر.
خطأ دراسة العلوم المادية بمعزل عن الإيمان بالله وخاتمة الدرس
إذن هذه شيء يعارض الكميّين [أصحاب الحسابات المادية]؛ ولذلك عندما درسوا الفيزياء والكيمياء من دون لا إله إلا الله وسبحان الله، تعبوا ووصلوا إلى غير الحقيقة.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
