سورة البقرة | حـ 331 | آية 275 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 331 | آية 275 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • كان الذهب والفضة وسيطاً للتبادل بين الناس قديماً، وهما سلعة في حد ذاتها مما منع حدوث التضخم من داخل النظام.
  • ذكر الأئمة الأربعة أن علة الربا تكون في الذهب والفضة، فقال الشافعي إن علة الربا هي الذهبية والفضية، وأنه لا ربا في الفلوس حتى لو راجت رواج النقدين.
  • في عام 1916م تم التخلي عن الغطاء الذهبي، إذ كانت البنوك تصدر أوراقاً نقدية مقابل ذهب محفوظ، ثم توقفت عن إعطاء الذهب مقابل الأوراق النقدية.
  • أصبحت العملة الورقية بلا غطاء ذهبي، مما سمح للحكومات بطباعة النقود عند الحاجة بتكلفة زهيدة.
  • طباعة النقود أدت إلى التضخم وارتفاع الأسعار، فعندما تزداد كمية النقود مع ثبات السلع، ترتفع الأسعار.
  • هذا النظام أسوأ من الربا لأنه يقضي على محدودي الدخل، وقد أوجدت الحكومات سياسات نقدية لمعالجة الوضع.
  • الأزمة أن هذه السياسات لا تتم بما يرضي الله، مما أدى إلى خلاف بين الاقتصاديين والقانونيين والشرعيين.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مراجعة دور الذهب والفضة كوسيط للتبادل وحافظ للثروات

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

تحدثنا في حلقتين سابقتين عن قصة الذهب والفضة، وظلّ الذهب والفضة وسيطًا للتبادل بين الناس، وظلّ الذهب والفضة يقوّم الناس بهما الأشياء، وظلّ الذهب والفضة يحفظ للناس ثرواتهم؛ لأن الذهب إنتاج نحصل عليه من المناجم، ولأن الفضة إنتاج نأتي بها من المناجم.

فكان وسيط التبادل بين الناس هو سلعة في حدّ ذاتها، فلا يحدث التضخم من داخل النظام أبدًا.

موقف الأئمة الأربعة والفقهاء من علة الربا في الذهب والفضة

ولمّا تكلّم الشافعي رضي الله تعالى عنه، وأحمد بن حنبل، ومالك في أحد أقواله الثلاثة، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، ومع الأئمة الأربعة الظاهرية وجمهور أهل الفقه عبر التاريخ، تحدثوا عن أن الربا يقع في هذه العملة التي تركها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي الذهب والفضة.

فقال الشافعي: إن علة الربا الذهبية والفضية. وقال الشافعي: لا ربا في الفلوس ولو راجت رواج النقدين. يعني الفلوس النحاسية، الفلوس الورقية، الفلوس التي هي غير الذهب والفضة، لا ربا فيها ولو رجت رواج النقدين. هذا كلامهم في كتبهم قديمًا.

مذهب أبي حنيفة في علة الربا بالمعيار والجنس والموزون والمكيل

وقال أبو حنيفة: [علة الربا هي] المعيار والجنس. والمعيار عنده الموزون مثل الدينار والدرهم. ما هو الدينار؟ كان وزنه أربعة وربع [غرامات]، والدرهم كان وزنه اثنين وتسعة من عشرة [غرامات].

والمكيل مثل الأطعمة. حسنًا، والمعدود؟ قال: لا، المعدود لا ربا فيه. فإذا اتحد الجنس وكان مما يُقدَّر [بالوزن أو الكيل] وقع فيه الربا.

سحب الذهب والفضة من التداول واستبدالهما بالأوراق النقدية المدعومة

طيب، وبعد ذلك ماذا حدث؟ حدث أمر في العالم فُرض علينا، وأظنه لا يعود مرة أخرى أبدًا، وهو أن الذهب والفضة قد سُحبت من وسيط التبادل بين الناس. لا يوجد ذهب ولا يوجد فضة.

واخترعوا اختراعًا لم يخترعه المسلمون وإنما اخترعه الناس [في الغرب]، أن الذهب والفضة نضعهما في الخزينة ونُخرج ورقًا مكتوبًا عليه: «ندفع لحامل هذا السند جنيهًا واحدًا من الذهب».

يعني ظلّ الأمر كذلك حتى سنة ألف وتسعمائة وستة عشر [1916م]. تذهب إلى البنك وأنت معك الجنيه [الورقي] وتقول له: يا أخي أنا لست مقتنعًا بجنيهكم هذا، هذه الورقة الأطفال ستمزقها، أنا أريد الجنيه الذهب، فيأخذه منك بكل احترام وفورًا يعطيك الجنيه الذهب ويقول لك: مع السلامة.

تحول العالم عن الغطاء الذهبي ورفض البنوك إعادة الذهب للناس

قال الناس: إن الذهب ثقيل في الجيب، فلنعمل بالورق أفضل. فظلوا يعملون هكذا حتى سنة ألف وتسعمائة وستة عشر [1916م].

جاءت سنة ألف وتسعمائة وستة عشر، ذهب الناس إلى البنك وقالوا له: أعطني الجنيه، الله يحفظك انتظر قليلًا. هكذا، فقال له: أيّ جنيه؟ قال له: الجنيه الذهب الذي عندك. قال له: ما عندي جنيه ذهب، اخرج! لا يوجد سوى الجنيه الذي في يدك هذا وانتهى الأمر.

قالوا: الله! إذن أين أخذت الذهب؟ قال له: الذهب وضعناه في الخزينة ولن يقترب منه أحد، اخرج! قال: الله! هذا الجنيه ليس ملكك، انتهى الأمر، ما في يدك يكفي.

وفي سنة ستة وأربعين [1946م] حدث هذا في كل العالم؛ العالم كله توقف عن إعطاء الذهب، وأصبح معنا قطعة ورق.

خطورة طباعة النقود الورقية وأثرها في التضخم وارتفاع الأسعار

طيب، وقطعة الورق هذه ماذا تفعل؟ أصبحنا ألعوبة، انتهى الأمر، أصبحنا ألعوبة.

تحصل أزمة عند الحكومة، تأتي الحكومة فتشغّل هذه المطبعة، تُخرج ماذا؟ المائة جنيه بستة عشر قرشًا! المائة جنيه التي في جيوبنا، هذه الورقة أم مائة جنيه، تكلّف الدولة كم؟ ستة عشر قرشًا. الدولة عندها أزمة في الأموال فتطبع أوراقًا مالية.

فماذا يترتب على هذا؟ قال: يحدث خراب وضياع. لماذا؟ قال: لأن هناك ألف كيلوغرام من اللبن وفيه ألف جنيه، فيكون الكيلوغرام بجنيه واحد. فعندما أطبع الألفين وسعر اللبن كما هو، فسيصبح اللبن بجنيهين، فيحدث التضخم وارتفاع الأسعار. فإذا طبعت أربعة آلاف فسيصبح الكيلوغرام بأربعة جنيهات.

التضخم الناتج عن طباعة النقود أسوأ من الربا ويقضي على محدودي الدخل

أليس هذا أسوأ من الربا؟ قال: نعم، أسوأ من الربا؛ لأنه سيقضي على المسكين محدود الدخل.

يبقى هو هذا حقيقة الربا عندما ينتفي الذهب والفضة [من التداول]. قالت الحكومات: حسنًا، وماذا بعد؟ سينخرب البيت ويُكَبّ الزيت! هكذا عملوا أشياء تسمى سياسات نقدية كي ينقذوا الدولة حتى لا يحدث هذا [التضخم].

قالوا: ما العمل؟ قالوا: نفتح مؤسسات تسحب من المعروض [النقدي] من السوق وتدفعه مرة [أخرى بشكل منظم].

السياسات النقدية واجبة لكن الأزمة في عدم إتمامها بما يرضي الله

قال: حسنًا، ولو تمت العملية هذه [السياسات النقدية] بما يرضي الله، أتكون جيدة أم سيئة؟ قال: هذه واجبة، وإلا فإن الناس تهلك.

قالوا: فما الأزمة إذن؟ قال: الأزمة أنها لا تتم بما يرضي الله؛ فالناس أحيانًا لا تقدر على إتمامها بما يرضي الله، فيكون ربنا قد فتحها علينا ونحن ضيّقناها على أنفسنا بأنواع الفساد.

ولذلك بدأت الخلافات؛ الاقتصاديون مع القانونيين مع الشرعيين: هل هذه البنوك ربا أم ليست ربا؟

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.