سورة البقرة | حـ 333 | آية 277 - 278 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الإيمان والعمل الصالح متلازمان كما في قوله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
- •ختام الآية يشمل السعادة في الدارين: الدنيا والآخرة، فمن تمسك بالدين يشعر بالطمأنينة وعدم الخوف والحزن.
- •الإيمان يجب أن يكون وقر في القلب وصدقه العمل، فلا يكفي التصديق القلبي وحده.
- •الأعمال الصالحة تنقسم إلى قسمين: قاصرة على النفس كالصلاة وتزكية القلب، ومتعدية للغير كالزكاة والهبة والوصية.
- •العمل الصالح يشمل ثلاثة محاور: عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس.
- •الشريعة الإسلامية طبقت مبدأ فورية القوانين عند تحريم الربا، حيث نهى المؤمنين عن أخذ الربا مستقبلاً مع العفو عما سلف.
- •الكون كله يسبح بحمد الله، ومن يسير ضد فطرة الله وسننه لن تنجح مشاريعه.
افتتاح الدرس وتلاوة آية الإيمان والعمل الصالح من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 277]
معنى خاتمة الآية ونفي الخوف والحزن في الدنيا والآخرة
وهذه الخاتمة للآية متكررة؛ قلنا إنها في الدنيا والآخرة، أو واحدة في الدنيا واثنتان في الدنيا والآخرة.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ هذا يمكن أن يكون في الآخرة، ويمكن أن يكون في الدنيا. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الدنيا والآخرة، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الدنيا والآخرة.
التمسك بالدين يحقق السعادة والطمأنينة في الدارين
وقلنا إن هذا الختام هو الذي جعل الناس تتمسك بالدين؛ فإن أحدنا إذا ما تمسك بالدين رأى الله في كل شيء، وشعر بالسعادة وبالراحة وبعدم الخوف وبالطمأنينة.
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
وبعدم الحزن؛ فإن الدين فيه سعادة الدارين، فإن الدين فيه سعادة الدارين: دار الدنيا ودار الآخرة، وليس دار الآخرة فقط.
فشل محاولات إخراج الدين من قلوب الناس لأنها تسير ضد الفطرة
ولذلك يحاول الناس أن يخرجوا الدين من قلوب الناس، لكنهم لا يستطيعون، ويتساءلون: لماذا فشلت مشاريعنا؟
لأنك تسير ضد التيار الذي خلقه الله؛ الكون يسبح، والكون يسجد، والكون يعبد ربه، وأنت تسير في الاتجاه المعاكس، لا فائدة من ذلك.
وجوب الجمع بين الإيمان والعمل الصالح وعدم الاغترار بحسن الظن دون عمل
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فلا بد من الأمرين معًا، وأن أقوامًا قد غرّهم بالله الغرور. النبي صلى الله عليه وسلم يقول هكذا، والغرور هو الشيطان.
يقولون: نحن نحسن الظن بالله، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. فلا بد من إيمان في القلب يصدقه العمل.
«الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل»
فإذا كان في القلب وحده فهو محل شك وريبة، وصدق المرء يكون في صدقه مع ربه وليس في الشك.
التفريق بين المؤمن الصادق والمنافق الذي يعجبك قوله دون عمله
متشككون: هل هذا مؤمن حقًا أم مؤمن منافق أم ماذا تكون القصة؟ وما هو [الجواب]، فليس هناك مؤمن منافق؛ مؤمن في دعواه يعني [فقط].
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]
في ذلك يجب أن يكون الإيمان والعمل الصالح [معًا]، وليس هناك في القرآن كله الكلام على الإيمان دون الكلام عن العمل الصالح معه. إذن فالعبرة ليست بالتصديق القلبي فقط، وإنما لا بد أن ينعكس هذا التصديق القلبي على الأعمال، وتكون من الأعمال الصالحة.
أنواع الأعمال الصالحة القاصرة على النفس كالصلاة وتزكية القلب
وما الأعمال الصالحة؟ الأعمال الصالحة منها ما هو قاصر على نفسك؛ بأن تمتنع عن الحقد والحسد والبغضاء والكراهية والكبر، وهذا يمثله إقامة الصلاة.
يعني عندما تصلي في جوف الليل، في [وقتٍ لا] أحد يراك، من الذي انتفع بصلاتك هذه؟ لم ينتفع بها أحد مباشرة، إنما الذي انتفع بها هو أنت.
وكذلك إذا ما خلّيت قلبك من القبيح وزيّنته بالصحيح، من انتفع به؟ أنت انتفعت به. وكذلك لو أنك ذكرت الله على كل حال ولا يزال لسانك رطبًا بذكر الله، من انتفع به؟ أنت انتفعت به.
العبادات القاصرة تتعدى بطريق غير مباشر إلى صلاح المجتمع
فهناك من الأعمال ما فيها عبادة ولكنها راجعة إلى الإنسان نفسه، قاصرة لا تتعدى في نفعها إلى غيره مباشرة.
لأن الصلاة تتعدى إلى الغير أيضًا، وذكر الله يتعدى إلى الغير، ولكن ليس مباشرة، وإنما عن طريق أن تكون صالحًا فتؤدي حقوق الناس، ولا تؤذي جيرانك ولا أهلك ولا عشيرتك، وتدافع عن وطنك وتجاهد في سبيل الله. قال [الله] هكذا، يعني هي [الصلاة والعبادة] التي تدفعك إلى هذا، فهذه مسألة غير مباشرة.
تفصيل الأعمال الصالحة بين ما يعود على النفس وما يتعدى إلى الغير كالزكاة
ولذلك فصّل [الله تعالى] الأعمال الصالحة: أولًا على ما يعود إلى نفسك فقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
وهناك من الأعمال ما يتعدى إلى غيرك، وقال فيها: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾. إذن [الزكاة] عبارة عن ماذا؟ مبلغ تدفعه للفقير والمسكين والمدين وغيرهم وفي سبيل الله.
حسنًا، وبعد ذلك هذا الدفع هل ينفع أم لا [ينفع]؟ ينفع الآخرين مباشرة؛ لأن المسكين يأكل به، والفقير يكسو نفسه به، وهكذا إلى آخره.
أنواع الأعمال المتعدية النفع كالهبة والوصية وعمارة الأرض
وهناك من الأفعال أيضًا كالهبة كالوصية والعمل في عمارة الأرض، كل ذلك يرجع مباشرة في نفعه إلى الناس.
ولذلك فأنت مطالب بالإيمان الذي قد وقر في قلبك، وبالعمل الصالح سواء كان قاصرًا على نفسك أو متعديًا لغيرك.
فما العمل الصالح؟ قالوا: العبادة والعمارة والتزكية، هذا العمل الصالح: أن تعبد الله، وأن تعمر الأرض، وأن تزكي نفسك.
مبدأ فورية القوانين في الشريعة الإسلامية وتطبيقه على تحريم الربا
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 278]
يبقى إذن عندما نزل التشريع نزل بما يسمى بفورية القوانين. مبدأ فورية القوانين عرفه أهل القانون يعني متأخرًا قليلًا.
فورية القوانين تعني ماذا؟ تعني عندما يصدر قانون اليوم فإنه لا يحاسبك بأثر رجعي. من شروط تشريعات القانون تكون الفنية الخاصة بها ألا تكون بأثر رجعي.
فلما نزلت الآية التي تحرم عليك الربا، يجب أن تأخذ رأس مالك وتتوقف عن الربا في المستقبل، أما الربا الذي أخذته من قبل فقد عفا الله عما سلف. هذه هي فورية القوانين.
الشريعة الإسلامية سبقت القانون الوضعي في تقرير مبدأ فورية القوانين
إذن الشريعة تعلمنا هنا فورية القوانين:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 278]
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
