سورة البقرة | حـ 335 | آية 281 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •قال الله تعالى: "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة"، حيث أوجب الله إنظار المدين المعسر حتى يتيسر حاله.
- •إنظار المدين المعسر واجب، أما التنازل عن الدين فهو سنة، لكنه أفضل عند الله، وهنا تفضل النافلة على الفريضة.
- •الديون لا تسقط بالتقادم، فالحقوق لا تتقادم مهما طال الزمن، لأن الله قال "فنظرة إلى ميسرة" دون تحديد وقت محدد للميسرة.
- •قوله تعالى: "وأن تصدقوا خير لكم" يشير إلى أن الإبراء (التنازل عن الدين) خير من الإنظار مع أن كليهما حسن.
- •وضع علماء القراءات علامة "صلي" على هذه الآية لبيان أن وصلها بما بعدها "إن كنتم تعلمون" أولى.
- •عند وصل الآية يكون المعنى: إن كنتم تعلمون ثواب الصدقة وفضلها.
- •عند فصلها يكون المعنى متعلقاً بالآية كلها من وجوب إنظار المعسر وفضل الإبراء.
- •كلام الله له معانٍ كثيرة كلها طيبة وخير.
مقدمة الدرس وحكم إنظار المدين المعسر والتنازل عن الدين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يرشدنا في طريقة التعامل مع المدين المعسر:
﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]
وعرفنا أن الإنسان لو أنظر مدينًا معسرًا لمدة شهر أو سنة، فإن ذلك يكون واجبًا عليه، ولكنه يستطيع أن يتنازل عن دينه. فلو تنازل عن دينه لكان ذلك أولى وأعلى وأحلى عند الله، بالرغم من أن التنازل عن الدين نافلة [سنة] وليس واجبًا.
حالات تفضل فيها النافلة على الفريضة مع حديث الولي
وهنا في فروع معدودة تفضل النافلة على الفريضة؛ لأن الله تعالى قال في الحديث القدسي:
«ما تقرَّب إليَّ عبدي بأحبَّ مما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها» إلى آخر الحديث، واسمه حديث الولي أخرجه البخاري.
حسنًا، إذن الفرض أولى من النفل [في الأصل]، ولكن هناك حالات تكون فيها النافلة أفضل من الفريضة.
إلقاء السلام سنة ورد السلام واجب والبدء بالسلام أفضل
ولكن إلقاء السلام عندما تدخل هكذا على أحد وتلقي عليه السلام، إلقاء السلام هذا فرض أم سنة؟ هذا سنة.
فما حكم رد السلام؟ إذا قال لك أحد: السلام عليكم، واجب عليك أن ترد السلام، إلا إذا كنت في حالة لا تؤهلك فيها لرد السلام. رد السلام واجب إلا على من بصلاة أو بأكل، شغل واحد وعشرين حالة، لا تجلس تعدد لي هكذا.
فيكون رد السلام واجب وإلقاء السلام سنة، لكن ما رأيك أن البدء بالسلام أحسن؟ لقوله صلى الله عليه وسلم:
«فخيرُهما الذي يبدأ بالسلام»
بدء السلام هو سنة لكنه أفضل من الفريضة [وهي رد السلام].
معنى الميسرة وقاعدة أن الحقوق لا تسقط بالتقادم
حسنًا، يكون إذن لدينا هنا:
﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]
والميسرة معناها حتى يتيسر حاله. ومعنى هذا أن الديون لا تسقط بالتقادم؛ لأنه أوجد متسعًا للسداد فقال: إلى ميسرة.
فمتى هذه الميسرة؟ لا أعرف، ربما بعد عشرة أيام، وربما بعد عشر سنين، وربما بعد عشرين وثلاثين. فالحقوق لا تتقادم، فوضعوا من هنا قاعدة تقول ماذا؟ أن الحقوق لا تتقادم.
فلا يأتي أحد ويقول: يا الله أنت ما زلت تذكر عليه دينًا مضى عليه عشر سنين وعشرون سنة وأصبح مليونيرًا لا يقبل أن يسدد الدين! هات يا عم، أنت ما زلت تذكر. هذه استهانة بحقوق العباد وبأمر الله.
تفضيل الإبراء على الإنظار ومعنى أفعل التفضيل في خير لكم
﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 280]
هذا نص عليها، هذا أنه هنا في الحالة هذه النافلة أحسن من الفريضة. "خيرًا" أفعل تفضيل، لكنها ليست على وزنه إنما على بابه.
ماذا تعني ليست على وزنه؟ وليست بأخير، يعني أفعل [التفضيل] يكون "أخير"، لكن هذه "خير". خير وشر أفعل التفضيل، سبحان الله.
وأفعل التفضيل هذا يفعل ماذا؟ يقول: يقتضي المشاركة بين الاثنين. هذين: فلان أجمل من فلان، فلان أحسن من فلان، فيكون الاثنان جميلان لكن هذا أجمل من هذا، والاثنان فيهما حسن ولكن هذا أحسن من هذا، أشد حسنًا من هذا. يقتضي المشاركة مع زيادة الصفة في أحدهما على الآخر.
﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 280]
فيكون الإنظار والإبراء الاثنان حسنان، ولكن أيهما الأحسن؟ فيكون الإبراء؛ لأنك ستخفف عنه عبء السداد.
علامة الوقف صلي في القراءات ومعنى الوصل والوقف في الآية
﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]
ويأتي علماؤنا أهل القراءات وأهل التجويد، ومنهم الشيخ عبد الله رضي الله عنه، يقولون ماذا؟ وضعوا على:
﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 280]
وضعوا "صلي". فما معنى صلي؟ قال يعني: الوصل أولى. فالوصل أولى يعني ماذا؟ قال يعني يجوز أن تقف عليها ويجوز أن تصلها بما بعدها، وكلاهما سيكون له معنى.
فهل أقف عليها وأصلها في التي بعدها؟ وانظر ماذا سيحدث:
﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]
فيكون العلم هنا في ماذا؟ في أنكم أنتم هل تعلمون ما في التصدق من ثواب؟
فضل الصدقة وثوابها العظيم عند الله تعالى
هل تعلمون أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار؟ هل تعلمون أنها تسقط في يد الرب سبحانه وتعالى فتنمو حتى تصير كجبل أحد؟ تعرفون أنتم هذه الأمور.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]
أن الصدقة تحدث هذا [الثواب العظيم].
الفرق بين الوصل والوقف في تفسير إن كنتم تعلمون
فلما نفصلها:
﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 280]
وتقف.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]
إن كنتم تعلمون، فيكون مرجعها للآية كلها، لكل الآية. فيكون معناها: يجب عليكم أن تُعلِموا [تُنظِروا] المعسر، ويجب عليكم أن تعرفوا أن التفريج عن المعسر بالإنظار، وأن التفريج عنه بالإبراء إنما هو من دواعي الخير.
أو: إن كنتم تعلمون عند الفصل، يعني سيكون هناك حساب؛ إن كنت تعلم [حوسبت]، وإن لم تكن تعلم فلا يكون هناك حساب.
عظمة القرآن في تعدد المعاني الطيبة للكلام الواحد والختام
وهكذا سبحان الله، كلام واحد له معانٍ كثيرة، كلها طيبة وكلها خير.
فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
