سورة البقرة | حـ 337 | آية 282 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 337 | آية 282 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • وصل المتحدث في تفسيره إلى آية الدين في سورة البقرة، وهي أكبر آية في القرآن.
  • كان السلف الصالح يذبحون ذبيحة عند ختم سورة البقرة تسمى "الحذاق" توزع على الفقراء.
  • آية الدين تسمى أيضاً آية الإثبات، وفيها إرشاد إلى توثيق المعاملات المالية بالكتابة.
  • هناك فرق بين إنشاء العقد وإثباته، فالعقد ينشأ بالتراضي والإيجاب والقبول، ثم يُوثق بالكتابة لحفظ الحقوق.
  • قياساً على ذلك، جرى توثيق عقود الزواج منذ قرون، وصار إلزامياً في مصر عام 1931م.
  • الأمر بالكتابة في الآية للإرشاد وليس للوجوب دائماً، وقد يصل إلى الوجوب حسب الظروف والأحوال.
  • القرآن كلام الله للعالمين إلى يوم الدين، يناسب كل زمان ومكان.
  • ينبغي ألا نكون حجاباً بين الخلق والخالق، فالقرآن يخاطب الجميع وليس المسلمين فقط.
  • بفضل هذا الخطاب الرباني يسلم غير المسلمين دون دعوة منا.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الدرس والوصول إلى آية الدين في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، وصلنا إلى آية الدين وهي أكبر آية في القرآن كله؛ أخذت صفحة، أي خمسة عشر سطرًا، وبقيت صفحة ونختتم البقرة، والحمد لله رب العالمين.

احتفال السلف الصالح بختم سورة البقرة وذبح الحذاق

ولما كان السلف الصالح يختتمون البقرة كانوا يذبحون ذبيحة يوزعونها على الفقراء احتفالًا بختام البقرة. ولما حفظ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأتم حفظ البقرة وآل عمران أيضًا ذبح ذبيحة.

وهذا يسمونه ماذا؟ الذي يحفظ [القرآن] هكذا، نعم ماذا؟ الحِذاق. سمّوه الحِذاق، قالوا الحِذاق لحذقه وبيانه، أي يسمون الذبيحة هذه ما [يُسمّى] الحِذاق.

أنواع الولائم العشرة في الإسلام ومنها الحذاق والوكيرة والوضيمة

إن الولائم عشرة مع واحد، من عدّها قد عزّ في أقرانه:

  1. فالخُرس عند نكاحها.
  2. وعقيقة للطفل.
  3. والإعذار عند ختانه.
  4. ولحفظ آداب وقرآن لقد قالوا الحِذاق لحذقه وبيانه.
  5. وكذاك مأدبة بلا سبب يُرى.
  6. ووكيرة لبنائه لمكانه.
  7. ووضيمة لمصيبته وتكون في جيرانه -يعني الجيران هم الذين يعملونها-.

فالحِذاق هذا كان عند ختم القرآن؛ يفرحون به ويقيمون حفلة، والحفلة يجب أن يستفيد منها من [هم من] الفقراء.

آية الدين وتسميتها بآية الإثبات والفرق بين إنشاء العقد وإثباته

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]

فهذه آية تسمى بآية الدين وتسمى بآية الإثبات؛ أرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى الإثبات. فهناك فرق بين إنشاء العقد وإثبات العقد.

أنا أعطيتك مالًا وها هي عشرة آلاف جنيه أصبحت في ذمتك، أنا الدائن وأنت المدين، فهناك عقد اسمه عقد القرض نشأ في الحقيقة والواقع ونفس الأمر، هذا نشأ العقد.

توثيق العقود بين الورقة العرفية والرسمية لحفظ الحقوق

ولكن سنذهب لنكتبه فنوثقه، أي نكتبه على ورقة نسميها ورقة عرفية، نذهب لنعمله في الشهر العقاري فالورقة العرفية هذه تصبح ورقة رسمية.

سبحان الله! فأرشدنا الله لحفظ الحقوق ليس أكثر؛ ليس خيانة ولا شيء، [بل] للحياة والموت والنسيان، خاصة بين الناس إذا كثرت المعاملات أن نكتب ما أنشأناه.

تطبيق مبدأ التوثيق على عقود الزواج وتاريخ إلزام الناس بها

ولذلك أخذنا من هذا [المبدأ] أن نكتب عقود الزواج. عقد الزواج موجود بالفعل وقد تم؛ طرفان والولي والقبول والإيجاب والشهود كله تام، والخلو من الموانع الشرعية كله تام، وبعد ذلك نثبته على ورق.

وفضّلنا أن نثبته على ورق هكذا كثيرًا منذ خمسمائة سنة أو ستمائة سنة؛ كانت المحاكم الشرعية القديمة نجد فيها وثائق لإثبات الزواج هذا.

وبعد ذلك في سنة إحدى وثلاثين [وتسعمائة وألف] فرضنا هذا فرضًا على الناس، وجعلنا الدعوى لا تُسمع أمام القاضي إلا عندما يذهب إلى المأذون ويوثق العقد. هذا الكلام قديم، من قبل ذلك بخمس سنوات مائة سنة موجود، ولكن الإلزام هو الجديد. العقد هو العقد، ولكن هذا إثبات للعقد.

هل الأمر بالكتابة في آية الدين للوجوب أم للإرشاد

﴿فَٱكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]

الله [قال] فاكتبوه، هذا أمر. قال لك: نعم، أمر، والأمر للوجوب. إذن كلما أعطيتك عشرة آلاف يجب أن آتي بك وأكتب لك الكتابة وهكذا، وأقول لك هذا واجب، أم لا؟

قالوا: والله هذه تختلف باختلاف الأحوال واختلاف الأزمان؛ فلو أن الخير بين الناس كثير والشهادة مقبولة والعصر ليس عصر فتن فلا تكتبوا.

قالوا فما الأمر هنا إذن؟ قالوا: للإرشاد. وهل الأمر يأتي للإرشاد؟ يأتي لستة عشر معنى، يأتي لستة عشر معنى في لغة العرب، منها الوجوب ومنها الإرشاد.

تغير دلالة الأمر بالكتابة من الإرشاد إلى الوجوب بحسب الزمان

قال: حسنًا، افترض أن العصر أصبح مثل عصر فتن هكذا وبسرعة والناس تنسى. قال: انتهى، فيكون هذا قد وصل إلى الواجب؛ حتى لا يأكل الناس ولا ينسوا الحقوق فيما بينهم.

قالوا: فيكون الأمر الواحد قد تكون له دلالات طبقًا للزمان والمكان. وهذا معناه أن هذا القرآن يحكم بين الناس إلى يوم الدين.

القرآن أعظم من اجتهادات العلماء ويتسع لكل زمان ومكان

لا تقولي إذن أصل الشافعي قال هذا للإرشاد، حسنًا، أنا أعلم، ولكن الشافعي نفسه لو بُعث في عصرنا الذي نحن فيه لقال لك: هذا للوجوب، انتبه، افهم الكلام.

أليس القرآن أعظم من الشافعي أم لا؟ إنه أعظم من المسلمين جميعًا؛ إنه كلام رب العالمين للعالمين إلى يوم الدين، هذا هو القرآن.

القرآن يخاطب العالمين جميعًا وليس المسلمين فقط إلى يوم الدين

المسلمون معتادون على شيء، نعم حسنًا، دعهم يسيرون هكذا، ولكن هذا الكتاب يخاطب العالمين وليس المسلمين فقط. قال لك: فلا تكن حجابًا بين الخلق والخالق، لا تقولوا إن هذا القرآن معناه الذي معي أنا فقط، لا، إن هذا القرآن يخاطب العالمين إلى يوم الدين.

العالمين يعني المسلم وغير المسلم. ولذلك تجد غير المسلم يُسلم من غير حول منا ولا قوة ولا دعوة ولا أي شيء. من أين جاء هذا؟ من خطاب رب العالمين إلى العالمين إلى يوم الدين.

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.