سورة البقرة | حـ 342 | آية 282 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشير قوله تعالى "ولا يضار كاتب ولا شهيد" في آية الدين إلى ضرورة حماية الشهود والكُتاب في النظام التشريعي والقضائي.
- •الأنظمة القانونية الحديثة وصلت إلى فكرة حماية الشهود من التهديد والأذى، لكنها لم تتوسع في حماية الكاتب الذي قد يتعرض للتهديد ليُقر بما كتبه.
- •ينبغي استخدام العقل والتفكر في آيات القرآن لبناء أنظمة قضائية عادلة، فالقرآن ليس للتبرك فقط بل هدى وشفاء من كل داء.
- •وصف الله تعالى الإضرار بالكاتب والشهيد بأنه "فسوق بكم" يعني أنه يتعلق بالنظام العام للمجتمع كله.
- •هذا يتيح لكل مواطن رفع الدعوى ضد من يؤذي الشهود حتى لو لم تكن له مصلحة شخصية، لأنها جريمة تمس المجتمع بأكمله.
- •تربية النشء على المشاركة السياسية وحماية النظام العام من الشرور ضرورة اجتماعية.
مبدأ حماية الشهود والكتّاب في آية الدين من سورة البقرة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة وفي آية الدين، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا قواعد التفكير المستقيم وقواعد التعامل التي يمكن أن نبني عليها نظامًا تشريعيًا وقضائيًا:
﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282]
في شيء بعد ذلك، الأنظمة القانونية أطلقت عليها اسم حماية الشهود؛ طالما أنك تشهد في المحكمة فيجب أن أحميك، إلى درجة أن يُغيَّر اسمك وأن يُغيَّر سكنك بعد أن تشهد؛ لأنك معرض للقتل، ومعرض للابتزاز، ومعرض للتهديد، ومعرض للأذى، ومعرض للضرر.
حماية الكاتب مفهوم قرآني لم تصل إليه القوانين الوضعية بعد
﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282]
وهذا هنا أيضًا أضاف شيئًا غريبًا بعض الشيء؛ القوانين أيضًا لم تصل إليها، وهي حماية الكاتب. يعني نحن هنا حماية الشهداء توصلوا [إليها في القوانين الوضعية]، ولكن حماية الكاتب لم يتحدثوا فيها بعد.
أن الذي كتب [العقد أو الوثيقة] أصلًا يُهدَّد ويقولون له: تعال، أنت كتبتَ وأنت ستُقِرُّ الآن وتقول: نعم هذا خطي، نعم هذا ختمي، نعم هذا توقيعي. فيبقى أيضًا هذا نوع من أنواع الشهادة.
﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282]
بناء نظام الحماية والأمن الاجتماعي من كلمة واحدة في القرآن
انظر عندما تقف عند هذه الكلمة الواحدة الموجودة في القرآن وتبني نظامًا من الحماية والأمن الاجتماعي، وتبني نظامًا في تسلسل لديك، تبقى تفكر ولا تبقى تقلد. تنظر إلى أي شخص عمل أي شيء وتقلده هكذا كما هو؟ [لا!] بل فكِّر واستخدم عقلك واجعل قرآن ربك سقفًا لتفكيرك.
هذا هو المطلوب: اقرأ القرآن ليس من أجل التبرك ولا من أجل نيل الثواب فقط؛ لأن القرآن هدى للمتقين وليس تميمة تُعلَّق، بل هو الذي أنزل الله فيه الشفاء من كل داء، أنزل الله فيه الهدى من كل ضلال، أنشأ الله به النفس الطيبة والعقل المستنير.
إيذاء الشهود فسوق يفسد المجتمع بأكمله لا صاحبه فحسب
﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: 282]
بإلحاق الضرر به [بالكاتب أو الشهيد]، بتهديد الشهداء فقد فسق، ولكن هذا يفسدكم أنتم أيضًا؛ فسوق بكم. وهذا يفعله بكم، فإنه فسوق بكم، يحرضكم ضده؛ أي يقول لكم: قاوموا هذا الفساد.
فإنكم إن سكتم عليه فإنه يؤدي لا إلى فساد صاحبه والقائم به فحسب، وإنما إلى فساد المجتمع. فإنه فسق، ما عليه فسق هو، فإنه فاسق ما عليه، لكن هذا ليس لا فسق ولا فاسق، هذا فسوق بكم.
أيرضيك ذلك؟ فأقول له: لا يرضيني. قال لي: تحرك إذن!
تهديد الشهود جريمة تتعلق بالنظام العام تبيح لكل مواطن الاعتراض
الله! وما معنى ذلك؟ معناه أن هذا يتعلق بما يسمى الآن في لغتنا بالنظام العام. يعني ضرر الشهادة وضرر التهديد والابتزاز هو نوع مباشر للقدح في النظام العام؛ يعني خللًا في المجتمع.
والخلل في المجتمع هذا يبيح ماذا؟ ويتيح ماذا؟ يبيح لكل أحد أن يعترض عليه، يبيح لكل أحد أن يقاومه، يبيح لكل أحد أن يضرب على يد صاحبه.
فكيف تضرب على يد الفاسد هذا؟ ترفع الدعوى وتحركها. من الذي يرفع الدعوى؟ أي شخص، النيابة العامة، واحد يسير في الشارع يرفع الدعوى لأنه مواطن. انظر كيف يعمل النظام.
حق المواطن في رفع الدعوى دفاعًا عن النظام العام بحجة القرآن
أنت مواطن، يقول له [القاضي]: ما مصلحتك؟ ما أنت يجب عليك حتى تذهب إلى القاضي أن تكون لك مصلحة. ما مصلحتك؟ تقول له: يا حضرة القاضي إنني مواطن في هذا البلد فقط، فالقاضي يفهم أنك تدافع عن شيء يمسنا جميعًا.
هل تعرف هذا الفاسد؟ قلت له: لا. هل سمعت عنه من قبل؟ قلت له: أبدًا. قال لي: فلماذا ترفع ضده قضية إذن؟ قلت له: لأنه آذى شهيدًا [شاهدًا]. قالوا لي: ما شأنك يا أخي، دع كل واحد يهتم بنفسه.
قلت له: لا يجوز؛ لقوله تعالى:
﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: 282]
تعلم لو لم يقل «بكم» لما أعطاني الحجة أن أقف أمامك يا حضرة القاضي وأطلب عقوبة هذا الإنسان؛ لأن هذه جريمة تتعلق بالنظام العام وبالمجتمع.
تربية الأبناء على المشاركة السياسية وحماية النظام العام من الفساد
حسنًا، وهذا ماذا يفعل؟ هذا يجعلنا نربي أولادنا على المشاركة السياسية، أليس كذلك؟
من الذي سيذهب ليرفع هذه القضية؟ شخص يفهم ظروف المجتمع، شخص يفهم أنه يجب أن يحمي هذه البلاد والعباد من الشرور التي تقدح في النظام العام. هو هذا الشخص الذي بعد ذلك سيطلب من حضرة فضيلته [القاضي اتخاذ الإجراء اللازم].
والله أسمعكم وقد مضى، والصلاة والسلام، وأسمعكم وقد مضى، والصلاة والسلام، وأسمعكم وقد مضى، والصلاة والسلام. السلام عليكم.
