سورة البقرة | حـ 344 | آية 283 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 344 | آية 283 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • الرهن وسيلة لضمان الدين، حيث يقدم المدين أصلاً للدائن كضمان لاسترداد ماله عند تعذر الكتابة كما في قوله تعالى: "وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة".
  • يجب أن يكون القرض حسناً دون فائدة، والرهن للضمان فقط.
  • من الخطأ أن يستفيد الدائن من الرهن بسكنه أو أخذ أجرة عليه، فهذا يعتبر ربا محرماً.
  • إيراد الرهن يظل لصاحبه المدين، ولا يحق للدائن الانتفاع به.
  • على من وقع في هذا الخطأ تصحيحه بالمحاسبة وخصم ما استفاده من الرهن من أصل الدين.
  • الإسلام يدعو إلى الأمانة وينبذ الخيانة، فيجب أداء الأمانة كما في قوله تعالى: "فليؤد الذي اؤتمن أمانته".
  • يجب عدم كتمان الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه.
  • الله عليم بكل ما يعمله الإنسان، فعلى المسلم أن يتقي الله في معاملاته.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة تفسير آية الرهن في خواتيم سورة البقرة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة في خواتيمها، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]

إذا انتقل بنا ربنا سبحانه وتعالى من وسائل الإثبات إلى وسائل الضمان؛ ضمان الدين.

مفهوم الرهن كوسيلة لضمان الدين عند عدم الثقة بالمدين

أعطيك دينًا وأنا غير واثق من أنك ستؤدي هذا الدين؛ لأنني لا أعرفك، أو لأنك غير موسر، أو أن مشاكلك كثيرة وكلما دخلت في التجارة خسرت.

فأقول لك: حسنًا، وما الذي يضمن لي أنك سترد الدين؟ فتقول لي: قطعة البيت التي تركها لي والدي أرهنها عندك.

هذا الرهن يجب أن يكون قرضًا حسنًا لا فائدة فيه، إنما هو للضمان فقط. بمجرد أن تعطيني البيت رهنًا يصبح لا يمكن بيعه، أتوقف تمامًا [عن التصرف فيه] إلا إذا فككت الرهن.

حرمة الانتفاع بالعين المرهونة وأخذ إيجارها لأنه ربا

ولكن للأسف الناس الآن عندما يأتون لرهن البيت، أقوم بأخذ البيت منك وآخذ الإيجار الخاص به، وبعد ذلك العشرة آلاف جنيه التي أعطيتها لك في بداية [المدة]، في آخر السنة وأعيد لك البيت. هذا حرام، هذا ربا.

هذا لأنني عندما أخذت منك البيت [رهنًا] لا يجب أن أستفيد منه؛ لأنني أسكن فيه هذه استفادة، ولا آخذ أجرة، وإنما أعطيك عشرة آلاف قرضًا حسنًا لوجه الله.

﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]

والبيت هذا ضمان [للدين فقط]، لكن إنما الإيجار الخاص به لك أنت يا مدين، يا من أخذت الأموال، يا صاحبه القديم.

حكم بيع العين المرهونة وعدم جواز التصرف فيها

لكن غاية ما هنالك أنك لا تعرف كيف تبيعه [البيت]؛ لأنه أصبح مرهونًا، لو بعته فستكون محتالًا تريد أن تتهرب من العشرة آلاف.

السنة مضت، استطعت أن تدفع العشرة آلاف، لو كان بإمكانك أقوم بأخذ العشرة الخاصة بي وأرد لك العشرة الخاصة بك [أي أرد لك البيت المرهون].

كيفية تصحيح خطأ الانتفاع بالرهن وخصم الإيجار من الدين

واحد يقول لي: لكن نحن لم نفعل هذا الآن، هذا أنا آخذ البيت منذ سنتين وأقوم بأخذ منه الإيجار، الذي تقول عنه يا مولانا إنه حرام، ماذا أفعل؟

أقول له: اخصم الذي أخذته من الإيجار. كم تأخذ في الشهر؟ قال لي: ملاليم، يعني ألف جنيه. ما أقول ألف جنيه أصبحت ملاليم! ألف جنيه في اثني عشر [شهرًا] باثني عشر ألف، في سنتين بأربعة وعشرين [ألفًا].

وأنت كنت قد أقرضته كم؟ قال: أنا كنت قد أقرضته خمسة وعشرين ألفًا. قلت له: يبقى عليه في ذمته ألف واحد، والأربعة والعشرون أخذتهم سيادتك.

وجوب المحاسبة الدقيقة لتصحيح خطأ الانتفاع بالرهن

قال: هذا أنا أخذتهم هكذا وصرفتهم وعملتهم، وكنت أحاسب ولا أحاسب. وهذا لا يصلح؛ إذا أردت أن تصحح هذا الخطأ الذي وقعت فيه فلا بد من المحاسبة [الدقيقة].

حكم الرهن عند عدم وجود كاتب وضوابطه الشرعية

﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: 283]

فليس هناك إثبات [كتابي]، إذن:

﴿فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]

تجعله يعطيك قطعة ذهب، تجعله يعطيك مفتاح بيت، تجعله يعطي لك حاجة تبقى تحت يديك ضمانًا وليس زيادة ومنفعة.

الأمانة في رد الدين والتحذير من الخيانة في المعاملات

ما حدث هكذا [أي لم يكن هناك رهن]، أنا أعطيتك العشرة آلاف وقلت لك اتركها على الله، ربنا يسدد عنك.

﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ﴾ [البقرة: 283]

الدين يدعو إلى الأمانة وينبذ الخيانة. نعم الخلق الأمانة، وبئس الخلق الخيانة. الإنسان لا بد أن يكون أمينًا ولا يكون أبدًا خائنًا؛ لأن الخيانة تتنافى مع الإسلام.

التحذير من إنكار الدين والتلاعب بحقوق الدائن

﴿وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: 283]

فهناك أناس يحبون أن يلعبوا، فيقول له: أنت أعطيتني عشرة أم تسعة؟ أم يظهر أنها كانت ثمانية! وهو يعلم أنها عشرة، ولكنه يحب أن يلعب [ويتلاعب بالحقوق].

فربنا نبّه على هذا: فليس هناك ورقة بيني وبينك، وأنت ستتظاهر بأنك ناسٍ. احذر! لأن براءة الذمة في الدنيا تجعل هناك ذمة بيضاء في الآخرة.

العفو عن المدين المعسر وأثره في الدنيا والآخرة

وذمتك لو جاءت مشغولة بالألف وبالألفين فماذا ستفعل؟ هذا أنك ربما في الدنيا لو قلت لي: ما أنا قادر على السداد إلا ثمانية، لأعفو عنك، وتأتي أيضًا يوم القيامة أبيض [الصحيفة].

أو أنك غير قادر على السداد فعلًا، فالله يعفو عنك:

﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]

لكن ما لم تكن هناك تقوى لله يبقى في خراب الدنيا [والآخرة].

حرمة كتمان الشهادة وأثره على القلب الآثم

﴿وَلَا تَكْتُمُوا ٱلشَّهَـٰدَةَ﴾ [البقرة: 283]

كل واحد رأى شيئًا فليؤده عند حضرة القاضي إذا استلزم الأمر.

﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُٓ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]

يا خبر أبيض! ليس لسانه ولا أذنيه ولا عينيه، القلب يصبح آثمًا! والقلب عندما يكون آثمًا تصبح مصيبة سوداء؛ يصبح ربنا خلقه بوضع معين ليتلقى الرحمات فانعكس هكذا [وأصبح لا يستقبل شيئًا].

مثال الكوب المقلوب وتشبيهه بالقلب الآثم الذي لا يتلقى الرحمات

تعرف الكوب وأنت وضعته لكي تصب فيه قليلًا من الماء لتشرب، لا، أنت ماذا؟ قلبته ووضعتها على وجهها! تعرف تضع فيها ماء؟ لو وضعت فيها ماء يتدفق [ويسقط]؛ لأنه مغلق من الأعلى، لا يصح أن يكون [القلب هكذا].

إذا كان القلب يحدث فيه هذا [الانقلاب بسبب الإثم فلن يتلقى رحمات الله].

معنى اسم الله عليم والفرق بينه وبين عالم في القرآن

﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 283]

عالم وعليم: عالم فسيعرف هذا ويعرف كل شيء عنه. والزيادة عن عالم ما هي؟ عليم. فـعليم هذه أكثر من كلمة عالم.

جمعها [أي جمع عالم] ما هو؟ عالمون. لكن عليم جمعها ما هو؟ علماء. العلماء هذه جمع عليم [وهي] صيغة المبالغة، وليست جمع عالم.

فالله وصف نفسه في هذا الموضع بأنه عليم؛ أي عارف ما في عقلك وما في قلبك، وما مضى وما سيأتي وكل شيء. أنت مكشوف أمامه، فاتق الله ربك.

الخاتمة والتوديع بالسلام والدعاء

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.