سورة البقرة | حـ 345 | آية 284 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •خواتيم سورة البقرة تُعد من المحصنات التي أوصى بها الرسول صلى الله عليه وسلم لتُتلى في البيوت فلا يدخلها الشيطان.
- •تشتمل هذه الخواتيم على عقيدة المسلمين وتجيب على أسئلة ثلاثة: من أين جئنا؟ وماذا نفعل الآن؟ وإلى أين نذهب؟
- •سورة البقرة جامعة اشتملت على قصة الخلق والرسل والتكليف ومنهج الجهاد والعبادات كالصلاة والصيام والزكاة والحج.
- •الآية "لله ما في السماوات وما في الأرض" تبين أن كل شيء ملك لله، وهذا الفهم يجعل الإنسان يستقيم على الصراط المستقيم.
- •"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" تؤكد على علم الله بكل ما يخفيه الإنسان.
- •"فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" تبين أن الله واجهنا بالجمال قبل الجلال، فبدأ بالمغفرة قبل العذاب.
- •"والله على كل شيء قدير" تختم الآيات بتأكيد قدرة الله على كل شيء.
مقدمة في خواتيم سورة البقرة ووصية النبي بتلاوتها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي خواتيم سورة البقرة، وهي الخواتيم التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتُتلى؛ فلا يدخل الشيطان البيت، وأوصى بها باعتبار أنها من المُحصَّنات، وهي تشتمل على عقيدة المسلمين في الإجابة على الأسئلة الثلاثة الكبرى التي حيَّرت البشرية.
الأسئلة الثلاثة الكبرى للبشرية وإجاباتها من العقيدة الإسلامية
من أين جئنا؟ خلقنا الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
وماذا نفعل الآن؟ نؤمن بالله ورسوله ووحيه وكتابه، كما آمنّا بالرسل من قبل، وأنَّ الله يأمر وينهى، وإننا على منهج الله سبحانه وتعالى في التكليف من أجل أن نصل إلى التشريف.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
ولكن من هؤلاء المكرَّمين من قد التزم بكلمة الله فكان مكرَّمًا على الحقيقة، ومنهم من رُدَّ إلى أسفل سافلين فجاهر الله بالمعصية، نعوذ بالله سبحانه وتعالى من المعصية ومن أهلها.
خواتيم سورة البقرة الجامعة لأصول الدين والتشريع والعبادات
فهذه الخواتيم أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظها كثير من المسلمين يرددونها في صلواتهم وفي أدعيتهم. وهي خاتمة سورة البقرة التي اشتملت على:
- •قصة الخلق.
- •ذكر الرسل.
- •التكليف ومنهج الجهاد في سبيل الله.
- •المنهج الاجتماعي والمنهج التعبُّدي.
فتحدثت عن الصيام وعن الصلاة وعن الزكاة وعن الحج بالتفصيل، وتحدثت عن الأسرة وعن العلاقات الدولية. كانت قصة البقرة جامعة مانعة؛ تحدثت عن الحياة، وتحدثت عن القضاء بين الناس، وتحدثت عن مناحٍ شتى يحتاج إليها الفكر البشري.
معنى ملكية الله لما في السماوات والأرض واستعمال ما ومن
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 284]
أول ما يقول لك "لله"؛ فإن اللام هنا للملكية، يعني كل شيء مِلك ربنا. و**"مَن"** تكون للعقلاء، و**"ما"** لغير العاقل. وإذا كثر غير العاقل كشأن الكون دخل فيهم العقلاء وعُبِّر عن الجميع بـ**"ما"**.
لله ما دام ذكر "ما" فتكون [للدلالة على] العقلاء وغير العقلاء. لماذا قال ["ما" بدل "مَن"]؟ للاختلاط؛ فإن "ما" نستعملها مكان "مَن" إذا كان في اختلاط بين الاثنين، بين العقلاء وغير العقلاء.
عظمة خلق الله وكثرة مخلوقاته مقارنة ببني آدم
فالإنسان مع الأشجار والبحار والرمال والكواكب والأنهار ستكون "ما"؛ لأن هذه الأشياء أكثر من بني آدم. فبنو آدم بالكاد ستة مليارات، ستة مليارات فقط!
أنواع التمر والبلح ستة عشر مليون نوع، سبحانه جلَّ شأنه الله!
﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: 11]
وهذا جميل، كل هذا البلح فقط! وهذا الذي عرفناه فقط، ولكن ما هذه؟ أشياء كثيرة لا حصر لها، تكاد تكون كل تمرة نوعًا.
أثر فهم ملكية الله للسماوات والأرض على سلوك المسلم
﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 284]
يبقى هو مالك كل شيء، ما في السماوات وما في الأرض. يا سبحان الله! هذا أنت تجلس ترددها هكذا، وعندما تفهمها تعيدها مائة مرة: لله ما في السماوات وما في الأرض، انتهت القصة.
أنت بعد ذلك لا تعرف كيف تعصي، أنت بعد ذلك لا تعرف كيف تظلم، أنت بعد ذلك ستسير فتجد نفسك على الصراط المستقيم وحدك هكذا.
لله ما في السماوات، هو بعد ذلك لا أحد يعرف كيف يتكبر. لله ما في السماوات وما في الأرض، وبعد ذلك انتهى الأمر.
التواضع أمام عظمة الله وعجز الإنسان عن التكبر
أتعرف أن تمشي هكذا متكبرًا وتقول أنا؟ من أنت؟ من أنت إذا كنت مضطربًا في كل شيء؟ ومرة تغتني ومرة تفتقر، ومرة تكون صحيحًا ومرة تمرض، ومرة تسير صحيحًا ومرة تسير خطأ، من أنت؟
قم أولًا عندما يقول [الله سبحانه وتعالى]:
﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 284]
[فهذه] عقيدة [راسخة يجب أن يستشعرها المسلم].
محاسبة الله على ما تُبديه النفوس وما تُخفيه من ظلم
﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 284]
أنت تُدبِّر لكي تؤذي أخاك، تغتصب منه قطعة الأرض، تخدعه في عقد بينك وبينه، تظلم زوجتك التي ستتزوجها وتأكل حقها، تظلم أولادك، الابن يريد أن يأكل أباه، كل أنواع الظلم التي لن تنتهي.
نريد أن نسرق مياهًا من الجيران، نسرق كهرباء من الحكومة، كله ظلم.
﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: 284]
يعلمه الله. وأن تقولوا هكذا، على فكرة نحن سرقنا الكهرباء، على فكرة نحن سرقنا الناس، لا تقولوا [ذلك].
علم الله المطلق بأفعال العباد سواء أظهروها أم أخفوها
تعمل من نفسك هكذا وتُدبِّر، ولا تقولوا [شيئًا]، قلتَ ما قلتَ، أظهرتَ ما أظهرتَ، قبضوا عليك أم تركوك، ربك عارف، يعرف، عالِم.
﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 284]
وهذا ما سيحاسبنا [الله عليه]، ويعذبنا لأننا أخطأنا؟ لا، هذا بينك وبين أخيك مع عدم العفو والسماح. ولكن هذا هو اسمه [سبحانه]: ما هو العفوُّ الغفور الرحيم الرحمن الواسع؟ هذه من الأسماء الحسنى.
فهو سيأخذك وسيُظهر خطأك وتستحق العقوبة، وبعد ذلك:
﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 284]
ما هذا؟ هو تقول: يغفر لمن يشاء وأنت تبكي، فقد انتهى الأمر وحوسبتَ وأُدِنتَ وتهيأتَ للعقوبة، وبعد ذلك يقول لك: حسنًا، فلتمضِ من هنا.
الحث على العفو والمسامحة اقتداءً بمغفرة الله تعالى
﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]
لا تفعلوا هكذا مع بعضكم البعض. يقول لنا هكذا، يعني ماذا؟ عندما يظلمك أحد أو يتطاول عليك أو نحو ذلك، وجلستَ وبعد ذلك استسمحك أو اعترف، سامحه، هل سيحدث شيء؟
تقديم المغفرة على العذاب وتجلي صفات الجمال والجلال في القرآن
﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 284]
وبدأ بماذا؟ بالمغفرة، بالجمال. "فيغفر لمن يشاء" هذه صفة جمال؛ الجمال، ربنا الجميل. "ويعذب من يشاء" هذه صفة جلال. فواجهنا سبحانه بالجمال قبل الجلال.
وفي القرآن كله لم يتجلَّ الله علينا بالجلال وحده؛ إذا تجلَّى بالكمال، أو تجلَّى بالجمال، أو تجلَّى بالجمال والجلال، لكنه لم يتجلَّ علينا بالجلال وحده. ما من آية فيها عذاب إلا وفيها مغفرة.
التسليم لله عند مواجهة جلاله وقدرته على كل شيء
﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 284]
وهذا معناه أننا لا نستطيع أن نقابل جلال الله [إلا بالتسليم]؛ نقول: سلِّم، ارحم، أنا لا شأن لي، أنا مخطئ، هكذا من النهاية هكذا.
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284]
قادر على أن يطَّلع عليك، قادر على أن يحاسبك، قادر على أن يغفر لك، قادر على أن يعذبك.
والله، انظر كيف تكون الخاتمة: والله على كل شيء قدير.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله.
