سورة البقرة | حـ 348 | آية 286 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 348 | آية 286 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يقرر الله في ختام سورة البقرة حقائق ويعلمنا أدب الدعاء، مؤكداً أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها.
  • العدالة الإلهية تتجلى في أن كل ما كلفنا الله به مقدور عليه ومستطاع، ولا يطلب منا فعل ما لا نطيق كترك الطعام أو النوم.
  • من كرم الله وعدله أنه يحسب الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة واحدة فقط.
  • علمنا الله الدعاء بقول "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، فنطلب منه الرحمة لا العدل.
  • قصور الإنسان وعجزه يظهر في نسيانه وخطئه، لذا رفع الله عن الأمة النسيان والخطأ وما أكرهوا عليه.
  • أحياناً يتبين الخطأ صواباً والصواب خطأً، فالمسألة نسبية وبيد الله.
  • قد تقع الصدقة في يد غير مقصودة، لكن الله يعلم الحكمة ويجعل فيها خيراً.
  • مدخلنا للدعاء هو طلب الرحمة، إقراراً بعجزنا وقصورنا.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضوع خواتيم سورة البقرة وأدب الدعاء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة وفي ختامها، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر لنا حقائق ويعلمنا أدب الخطاب معه والحديث مع ربنا سبحانه وتعالى؛ كيف يكون عن طريق الدعاء والالتجاء إليه دون سواه.

معنى عدم تكليف الله النفس فوق طاقتها وعدالة التكليف

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]

إذن فهناك عدالة؛ حيث أن الله سبحانه وتعالى لا يطلب منك فوق طاقتك، ولا يمكن أن يكلفك بالمحال ولا بما لا يُطاق.

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

فكل ما كلفك الله به من أفعال أو من تروك -تروك يعني جمع اترك- الخمر واترك السرقة واترك القتل واترك الفاحشة واترك الزنا واترك ما إلى ذلك والغيبة والنميمة وما شابه ذلك، هذا مقدور عليه؛ تستطيع أن تفعله وأن تترك كل هذا.

الفرق بين التكليف بالمستطاع والتكليف بما لا يطاق

لكن ما لا يناسبك مثل ترك شرب الماء نهائيًا واترك الطعام نهائيًا ستموت، اترك النوم نهائيًا ستخرّ مغشيًا عليك، وإنما عندما كلّفنا كلّفنا بما نطيق.

ولما قال لك: اذهب توضأ وصلِّ وصُم وحُجّ وكذا إلى آخره وزكِّ وقل الصدق، كلّفك بما تطيق.

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

وتستمر العدالة؛ فإن الله عادل بأنه لك ما كسبت وعليك ما اكتسبت، يعني لا يخترع لك إثم زائد عن إثمك ولا يخترع لك فعل زائد عن فعلك.

كرم الله في مضاعفة الحسنات وعدم مضاعفة السيئات

إلا أنه من كريم وواسع فضله سبحانه وتعالى، من كريم فضله ومن سعة عدله ورحمته بنا، فإنه يحسب الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة غير متناهية، والسيئة واحدة فقط، وإلا كنا ماذا؟ يعني ضعفاء.

ومن هنا فنحن نعبد ربًّا قد خلق، وربًّا قد أكرم، وربًّا عدل فينا ابتداءً وانتهاءً؛ في الدنيا بعدم التكليف بما فوق الطاقة، وفي الآخرة [بمضاعفة الحسنات وعدم مضاعفة السيئات].

تعليم الله عباده كيفية الدعاء وطلب عدم المؤاخذة على النسيان والخطأ

إذا كان الأمر كذلك فكيف ندعوه؟ فيعلمنا إذن، يعلمنا كيف ندعوه سبحانه وتعالى:

﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]

ربنا أي يا ربنا، أي دعاء، لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. أنا يمكن أن أنسى بعض الواجبات أو أخطئ في ترك الفروض، فإذا فعلت ذلك يا رب فلا تؤاخذني.

يبقى إذن عندما ندخل ونكلم ربنا إنما نكلمه بأن يطبق علينا الرحمة وليس العدل؛ لأنه عادل من غير طلب.

لماذا نطلب الرحمة من الله ولا نطلب العدل في الحساب

ما من أحد يقول له: يا رب احكم فيّ بعدلك، أصلًا أنا أعني لا، هذا يعني أنه قد أضاع نفسه، وإنما يقول له: يا رب ارحمني ولا تؤاخذني.

لماذا؟ لأن هذا العمل الذي فعله ظنًّا منه أنه عمل صحيح قد يتبين أنه عمل غير صحيح.

لماذا؟ لأنك قاصر؛ تنسى وتخطئ ومحدود الإدراك.

قصة الرجل الذي تصدق بالليل فوقعت صدقته في يد غني ثم بغي

وفي الحديث أن رجلًا قد تصدق بالليل فوقعت الصدقة في يد [غني]، يتحدثون: تُصُدِّق اليوم على غني! خطأ، هو لم يكن يريد الغني، هو كان يريد أن يعطي للفقير.

ثم تصدق في ليلة أخرى فتصدق فوقعت الصدقة في يد بغيّ، هو كان يريد أن تقع في يد تقيّ مسكين عفيف متعفف عن الحرام فتأتيه الصدقة تسنده.

ولكن سبحان الله وقعت في يد [بغيّ]، قام أهل القرية فقالوا: تُصُدِّق اليوم على امرأة يتطهرون بها، أي انظروا كيف! فحزن الرجل ولكنه لم يكن مصيبًا في حزنه.

كيف يبدل الله الخطأ صوابًا ويحول السيئات حسنات بفضله

انظروا عندما لا يؤاخذنا ربنا إن نسينا أو أخطأنا، كيف يبدل سيئاتنا حسنات.

فقال له [الله تعالى]: لا، هذا لما وقعت في يد الغني لعلها أن تكون له ذكرى؛ يقول الله تعالى إن هناك أناسًا يتصدقون فيتذكرون الصدقة فيتصدقون، فيكون الدال على الخير كفاعله.

وعندما وقعت في يد امرأة بغيّ يمكن أن تدفعها إلى البغاء الحاجة، فلما جاء المال تستعفّ به فيدفعها إلى العفاف، فتُحسب له أيضًا صدقة وفي مكانها، بل يمكن أن تكون هذه أفضل.

نسبية الأمور عند الله وعجز الإنسان عن إدراك الحقيقة الكاملة

والله سبحانه وتعالى إذن المسألة نسبية وليست بأيدينا، هذه بيد ربنا. أحيانًا تخطئ وخطؤك يتبين صحيحًا، هذا هو الكلام إذن، وخطؤك يتبين صحيحًا، وأحيانًا تصيب وإصابتك في ظنك تتبين خطأ.

فماذا نقول له إذن عندما ظهر العجز وعدم الإدراك وعدم القدرة على الوصول إلى الحقيقة في ذاتها وعنده سبحانه؟

﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]

حديث رفع عن الأمة النسيان والخطأ وما أكرهوا عليه

وهنا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «رُفع عن أمتي النسيان والخطأ وما أُكرهوا عليه»

النسيان: نسيت أفعل ماذا؟ حسنًا، أنا ظننت أنني صليت الظهر وبعد ذلك اتضح يوم القيامة أنني لم أصلّها، لن تُحاسب عليها.

﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]

ولكن لم تتعمد ذلك [بل نسيت]، قلوبنا [صادقة]. أما النسيان فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

أمثلة على الخطأ في التكليف والتيسير على كبار السن

أخطأت ففي أثناء صلاة الظهر صليت العصر، لم أنتبه، ظننت أننا في وقت العصر، أي أن الزمن التبس عليّ. وهذا يحدث مع كبار السن كثيرًا؛ عندما يمنّ الله عليك بثمانين وتسعين سنة تحدث لك هذه الحالة.

قم [صلِّ]، ما [عليك حرج]، قم، ربنا أيضًا يتقبلنا عنده؛ لأنه رفع عن الأمة الخطأ، وكذلك ما أُكرهنا عليه بالإكراه فلا يوجد أبدًا تكليف [بما لا يُطاق].

خاتمة الدرس وتعليم الله عباده الدخول إليه من باب الرحمة

يعلمنا ربنا كيف نسأله وندخل إليه من طلب الرحمة.

ولذلك وإلى لقاء آخر نستودعكم الله حتى نكمل هذا الحديث بين العبد وبين ربه كما علّمنا ربنا في آخر سورة البقرة.

فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.