سورة البقرة | حـ 349 | آية 286 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 349 | آية 286 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الله سبحانه وتعالى يعلمنا في سورة البقرة أن ندعوه بقولنا "ربنا" فهو المستحق للدعاء وحده، وبيده الملك والملكوت.
  • عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله خالق كل شيء، فعال لما يريد، لا يسأل عما يفعل.
  • تكرار كلمة "ربنا" في الدعاء يدل على تعلق القلب بالله وكثرة ذكره وهو من علامات المحبة.
  • في دعاء "ربنا لا تحمل علينا إصراً" نطلب من الله أن يخفف عنا ثقل الذنوب والمعاصي.
  • الأعمال توزن يوم القيامة بميزان له كفتان للخير والشر، حتى مثقال الذرة.
  • دعاء "لا تحملنا ما لا طاقة لنا به" إظهار للضعف البشري وطلب الرحمة والتخفيف.
  • دعاء "واعف عنا واغفر لنا وارحمنا" طلب للعفو والمغفرة والرحمة من الله.
  • الانتصار على الكافرين يكون بتبليغ دعوة الله وأوامره ونواهيه.
  • اختتمت سورة البقرة بالتضرع إلى الله بأن ينصرنا على القوم الكافرين.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة في تعليم الدعاء من سورة البقرة وتوحيد الطلب من الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى الدعاء، فيقول:

﴿رَبَّنَا﴾ [البقرة: 286]

أي نحن نقول هكذا؛ يعلمنا ربنا أن نطلب من الله ولا نطلب من أحد سواه؛ لأنه هو الذي بيده الملك والملكوت، ولا يكون في كونه إلا ما أراد. لا يقع في هذا الكون شيء إلا بخلق الله.

هكذا عقائد أهل السنة والجماعة الصحيحة؛ أن الإسلام وصف لنا ربنا بأنه خالق كل شيء، وأنه لا يكون في كونه إلا ما أراد، وأنه فعال لما يريد، وأنه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

تكرار لفظ ربنا في الدعاء وجمال التعلق بالله وذكره

ربنا على الدوام، هكذا فيبقى عليك أن تقول هكذا: ربنا، ادعُ هكذا:

﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]

لأنك خارج التكليف [في حال النسيان والخطأ]. ربنا كرّرها؛ ربنا الأولى وربنا الثانية، وسأجيء لك بواحدة ثالثة: ربنا، الله! ثلاثة.

ما هو الذي يحبّ يُكثر من ذكر حبيبه؟ فيقول: ربنا، الله! جميلة جدًّا هذه، وهي صادرة هكذا من أفواهنا، جميلة جدًّا.

من تعلّق قلبه بربه فإذا تعلّق القلب بالرب أكثر من ذكره، والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات. والذكر قد يكون ذكرًا محضًا، وقد يكون في الدعاء يدعو كثيرًا. ربنا، عندما تجلس تردّد هكذا تجدها ما هي جميلة صادرة، جميلة جدًّا.

معنى الإصر وثقل الذنوب والإيمان بالميزان يوم القيامة

الجزء الخاص بالتكرار: ربنا:

﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾ [البقرة: 286]

يعني شيئًا ثقيلًا على أكتافنا نأتيك به. ما هذا الشيء الثقيل؟ الذنوب والمخالفات والمعاصي والفساد في الأرض.

قال: هذه أشياء لها وزن، قال: نعم. أليس هناك شيء يسمى الميزان من عقائد المسلمين؟ شيء يسمى [الميزان]، لا بدّ أن نؤمن بشيء اسمه الميزان. وهذا الميزان يوم القيامة له كفّتان: أعمال الخير وأعمال الشر.

ولا يُضيع الله شيئًا، لا يُضيع الله أجر من أحسن عملًا. وإذا كان الخير ذرّة أتى بها، وإذا كان الشر ذرّة أتى بها، حتى ذرّة.

معنى الذرة في اللغة العربية وعلاقتها بمصطلح الفيزياء

وهذه الذرّة معناها نملة صغيرة تُسمّى الذرّة، النملة الصغيرة. وهذا هو النمل الصغير الذي عندنا، هذا اسمه ذرّ والواحدة ذرّة.

أو يقول لك: أتعرف شعاع الشمس وهو داخل [الغرفة]؟ قم فتجد غبارًا في الجو هكذا، هذا هو الذرّة. فيكون إما النملة وإما الشيء الهباء البسيط، هذا هو ذرّة.

ولذلك لمّا جاء أهل الفيزياء وقالوا: والله هذا الكون مكوّن من أشياء دقيقة جدًّا، قم فسمّوها ماذا؟ ذرّة؛ لأن كلمة ذرّة في اللغة معناها شيء صغير جدًّا يكاد لا يُرى بالعين، مثل الذي في شعاع الشمس هذا. فسمّوا هذه ذرّة استعارة من اللغة التي تُسمّي الشيء الصغير أو الذي لا يُرى أو يكاد لا يُرى ذرّة.

تحول المعنويات إلى محسوسات توزن يوم القيامة وثقل المعاصي

فيقول هنا ماذا:

﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾ [البقرة: 286]

شيء ثقيل له [وزن]. طيّب، والأشياء هذه ستتحوّل إلى موزون؟ نعم، تتحوّل المعنويات إلى محسوسات وتُوزن.

بعضهم لكي يقرّبها للأذهان قال: إن الأعمال السيئة والحسنة تُكتب في سجلّات، والتي ستُوزن هي هذه السجلّات.

فما نحن لا نريد جانب البلايا والمصائب والمعاصي يكون ثقيلًا فترجح كفّته، ويصبح علينا مديونية هكذا؛ سيصبح -والعياذ بالله- حساب وعقاب وعتاب وأشغال.

الدعاء بالتخفيف يوم القيامة وطول ذلك اليوم خمسمائة سنة

فيقول له [العبد في دعائه]: لا تحمّلني شيئًا ثقيلًا هكذا على كتفي حتى آتي يوم القيامة خفيفًا؛ لأن يوم القيامة وحده مصيبة، وحده هكذا من غير حساب ولا عقاب ولا عتاب؛ لأن طوله خمسمائة سنة.

وهذا حتى لو قعدنا في ظلّ الرحمن فهو طويل أيضًا، خمسمائة سنة! تخيّل أنك جالس منذ سنين الأرض خمسمائة سنة في راحة دون تعب، ستملّ أليس كذلك؟

ولذلك الخلق سيذهبون ليستشفعوا بسيدنا محمد ﷺ؛ لأنه أصل هذا اليوم الذي يساوي ألف سنة. فسيدنا محمد ﷺ ولأن الله يجعل له المنّة على العباد أجمعين إلى يوم الدين من خلقه، كما أنه قبل أن يُولد، قبل أن يُخلق من آدم [عليه السلام]، فيمكّنه من أن يخدم الخلق جميعًا في صورة شفاعة يتشفّع بها النبي ﷺ، فيقلّ اليوم من ألف سنة إلى خمسمائة سنة.

رحمة الله بأمة محمد ورفع المؤاخذة على حديث النفس

يبقى:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286]

الذين من قبلنا [من الأمم السابقة] كان الإنسان إذا فكّر في الشر يُحاسب عليه شرًّا على الفور. [أما هذه الأمة فقد] رُفع عن أمتي ما حدّثت بها أنفسها.

ربنا يدعو مرة أخرى:

﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286]

ما كلّفنا الذي لا طاقة لنا به بنزول الكوارث والمصائب والمحن والأحزان والفتن والدخول في تجارب ومغامرات نحن في غنى عنها. ربّ استرها معنا.

إظهار الضعف البشري أمام الله والدعاء بالعفو والمغفرة والنصرة

فيكون إظهار الضعف البشري؛ لأن هناك أناسًا متكبّرين جدًّا يقولون لك: أنا موجود، ها أنا ذا، أنا شيء! يعني أنا شيء [عظيم].

﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286]

﴿وَٱعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة: 286]

فيكون العفو هكذا.

﴿وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ﴾ [البقرة: 286]

مدخل الرحمة والتخفيف وإظهار الضعف.

﴿أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286]

طلب أننا ندعو إلى الله وإلى عبادته وإلى عمارة الدنيا وإلى تزكية النفس، ولكن هذا لن يرضى عنه الكافرون. ولذلك انصرنا عليهم بتبليغ دعوتك وبتبليغ أوامرك ونواهيك.

خاتمة سورة البقرة والدعاء بالعلم النافع والحشر تحت لواء النبي

هكذا اختُتمت سورة البقرة، فالحمد لله رب العالمين.

اللهم علّمنا العلم النافع وافتح علينا فتوح العارفين بك، واحشرنا تحت لواء نبيّك ﷺ يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب ولا عتاب.

والحمد لله رب العالمين.