سورة البقرة | حـ 35 | آية 6 : 7 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 35 | آية 6 : 7 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يشرح القرآن الكريم في قوله تعالى "إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون" قضية تسلية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
  • مهمة النبي والدعاة هي البلاغ فقط وليست خلق الهداية، فالله وحده يهدي من يشاء.
  • همزة التسوية في "أأنذرتهم" مع "أم" تعمل كميزان يوضح استواء الأمرين عند الكافرين.
  • العناد والجهل وعدم التفكير من صفات غير المؤمنين، والعناد يورث الكفر.
  • الكفر معناه الستر، والكافر هو من ستر الإيمان الفطري في قلبه.
  • وجود الله أمر فطري، ولذلك كان الكافر غير معذور لأنه يخدع نفسه ويستر ما يشعر به من داخله.
  • الإنذار فيه تهديد ووعيد للكافرين بسبب قسوة قلوبهم.
  • لو عرف الدعاة حقيقة أن الهداية بيد الله لارتاحوا ولبلغوا دون انتظار النتيجة أو التشنج والحزن.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الكافرين من سورة البقرة وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات مع قوله تعالى وهو يتحدث في شأن الكافرين:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]

وكأن هذا تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أي لا تذهب نفسك عليهم حسرات. القضية هي أنك مبلِّغ ولست خالقًا للهداية، لست يا محمد خالقًا للهداية، بل الذي يخلق الهداية في قلوب العباد ويوفق هو الله.

معنى استواء الإنذار وعدمه عند الكافرين واستواء النفي والإيجاب

أما أصل هؤلاء الذين كفروا فإنه سواء، أي يستوي الأمران. والسواء يكون هناك أمران وكل أمر مساوٍ للأمر الثاني.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 6]

هذا أو هذا، ما دام هناك سواء فلابد علينا أن نرى أمرين. ما الأمران؟ أنذرتهم ولم تنذرهم، هذا أمر وهذا عكسه. إذن استوى النفي والإيجاب، فتكون هذه طبيعة فيه، أي خِلقة فيه خاصة بربنا.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

إذن ما عليك إلا البلاغ فقط، بلِّغه فقط.

دور الدعاة في البلاغ دون انتظار النتيجة وترك الهداية لله تعالى

إذا كان سيد المرسلين بهذا الشأن، فما بالك بالدعاة الحاملين عنه في قوله:

قال رسول الله ﷺ: «بلِّغوا عني ولو آية»

يكونوا كذلك بل أعمق. بل يمكن أن يُكرم ربنا واحدًا من الكافرين فيجعله يؤمن، أي كرامة للنبي [صلى الله عليه وسلم] الكافر يؤمن، وأنا لست نبيًا فيجب أيضًا أن أبلِّغ وفقط. أقول الحق، أنا أقول الحق وهو سبحانه وتعالى يهدي السبيل وليس أنا.

لو عرف الدعاة هذا لأراحوا أنفسهم ولارتاحوا، ولبلَّغوا وهم لا ينتظرون النتيجة، وإنما يبلِّغون لله.

التحذير من التشنج في الدعوة والاستدلال بآية استواء الإنذار وعدمه

ولما حدث في البلاغ تشنج أو حزن أو أسى أو نوع من أنواع حب الفرض والقهر بالكلام على الناس أبدًا. والسبب في ذلك: ما هي الآية التي ذكرها الله في أول ما يذكر شأن الكافرين؟

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة: 6]

ويأتي لك «أم» هنا لكي تكون كأنها «أم» التي تبين الاستواء.

شرح همزة التسوية ودورها مع أم في ضبط ميزان الاستواء

فيوجد همزة هنا: «ءأنذرتهم»، الهمزة التي في «ءأنذرتهم»، أما «أنذرتهم» فيها همزة وحيدة، لكن هنا قبل الهمزة همزة أخرى وهي همزة التسوية.

وهمزة التسوية تقتضي ماذا؟ أن تأتي بـ«أم» معها لكي تعمل مثل القبَّاني الخاص بالميزان هكذا، لكي تضبط الكفتين. «أم» هذه إذن الهمزة هذه اسمها همزة التسوية، وإذن «أم» ضبطت قبَّاني الميزان، يعني هذه مثل هذه، أخت هذه.

استواء الإنذار وعدمه يكشف عن العناد والجهل عند الكافرين

طيب، أنا أنذرتهم فلن يهتدوا، طيب ما أنذرتهم فلن يهتدوا أيضًا. أنا أنذرتهم فلن يهتدوا، فماذا يوجد؟ يوجد عناد. أنا أنذرت وهو سمع ولكنه لم يستجب، سمع بأذنه فقط ولكنه لم يستجب.

طيب ما أنذرته فلم يُعمِل عقله، فماذا يوجد؟ يوجد نوع من أنواع نقول عليه الجهل، ولا نقول عليه ضد التفكر. ما هذا الذي ضد التفكر؟ إنه لا يفكر.

فسواء عليه سمع وأبى عنادًا، أو لم يسمع فلم يستعمل عقله ابتداءً، فإنه لا يهتدي.

العناد والجهل من صفات غير المؤمنين ومصادر العناد من الهوى والتكبر

فيكون إذن العناد والجهل وعدم التفكر هذه من أساليب المؤمنين أم من أساليب غير المؤمنين؟ لا، هذه من أساليب غير المؤمنين.

فماذا يفعل المؤمن ليعاكس ذلك؟ فلا يكون عنيدًا ولا يكون جاهلًا، يجب أن يكون بالسياسة هكذا فلا يوجد عناد.

فمن أين يأتي هذا العناد؟ يأتي من الهوى، يأتي من حب الأنا التي يسمونها الأنانية، يأتي من التكبر. فهذه كلها صفات يجب أن ننهى عنها؛ لأنها توصل إلى العناد الذي يوصل إلى الكفر.

العناد يورث الكفر وأثر القرآن في ثقافة الناس وتربية الأولاد

وهذا الكلام أصبح الشائع فينا هكذا: العناد يورث الكفر، العناد يورث الكفر. من أين نأتي بها؟ من هنا، انظر أثر القرآن في ثقافة الناس. نحن نقول كلمات هكذا لكن من أين نأتي بها؟ يعني هذه «العناد يورث الكفر» من أنه:

﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]

فلما ونحن نربي الأولاد وهم صغار، فنقول لهم هذه العبارة: يا ولد لا تعاند، فإن العناد يورث الكفر. يعني نحذره من صفة هي من الصفات المذمومة؛ لأنها لا تؤدي إلى نور القلب، لأنها لا تؤدي إلى نور العقل، لأنها لا تؤدي إلى الإيمان، بل تؤدي إلى عكس ذلك: إلى الظلمة، إلى الاضطراب، إلى عدم الاستفادة من النصيحة، عدم الاستفادة من الكبير وهكذا.

إنّ التوكيدية في الآية وتنبيه طائفتي الكافرين والمتشككين

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 6]

«إنّ» هذه يقولون عليها إنها للتوكيد، فهذا يؤكد. وما دام يؤكد فإنه يريد أن ينبه طائفتين:

  • طائفة الذين كفروا: يؤكد لهم أن الذي هم عليه خطأ.
  • والآخر الذي يتشكك: إن الذين كفروا يعني ما هم بجيدين، فيقول له: لا، بل تأكد أنهم على ضلالة.

معنى الكفر لغة وهو الستر وعلاقته بكفر الزراع للحب في التربة

كفر يعني ماذا؟ الكفر يعني ستر. والزرَّاع يكفرون الحبَّ، يكفرون الحب يعني يضعون الحب، يحفرون له هكذا في الخطوط في الحقل ويضعونه في داخل التربة، وإلا فإن أي قليل من المياه يأتي يحمل الحب هذا ويذهب به. ولذلك كفر يعني ستر وغطَّى.

الكافر سُمي كافرًا لأنه ستر الإيمان الفطري الموجود في قلبه

والكافر سُمي كافرًا لماذا؟ لأنه ستر الإيمان في قلبه.

بالله هل الإيمان موجود حتى يستره؟ قال: نعم. فأين؟ قال: في فطرة الإنسان.

﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]

أي كأننا حين نسمي غير المؤمن كافرًا نعترف بوجود الإيمان في قلبه من الداخل، لكن هذا الإيمان قد ستره فكفر. إذن فالإيمان هذا أمر فطري.

الرد على من يطلب الدليل على وجود الله بأن وجوده ظاهر في كل شيء

فقالوا: أقم الدليل على وجود الله. قال له: ومتى غاب حتى أقيم الدليل عليه! هل يوجد شيء اسمه أقم الدليل على وجود الله؟ هذا ربنا نراه في كل شيء، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.

أنت أيها الكافر هات لي دليلًا أنه غير موجود، بحكم أننا بوجودنا هذا وفطرتنا نعرف أنه موجود.

كلمة كافر نفسها تثبت فطرية الإيمان وأن الكافر غير معذور

انتبه، هذه كلمة كافر نفسها، والكفر يثبت فطرية الإيمان، ويثبت أن الكافر هذا غير معذور.

لماذا؟ لأنه يخدع نفسه؛ لأنه يشعر من داخله أن هناك ربنا، ويشعر من داخله بأن هناك إيمانًا، والقلب هذا متوجه إلى هذا الإيمان، ولكن يا للأسف هو كفره يعني ستره.

قصة عجوز نيسابور مع الإمام الذي ألف ألف دليل على وجود الله

على فكرة، قد يجد [الكافر] في ذلك صعوبة في كفره، أي في ستره، قبل أن يستره تجد فيه صعوبة.

واحدة كانت من عجائز نيسابور، وكانوا قد أقاموا لإمام من الأئمة — قيل إنه الإمام الآمدي وقيل إنه الإمام الرازي — أقاموا له احتفالًا لأنه ألَّف كتابًا أورد فيه ألف دليل على وجود الله.

فقالت [العجوز]: ما هذا؟ قالوا: إن الإمام فلانًا أقاموا له حفلة بسبب هذا الكتاب. فقالت: وهل عنده ألف شك في وجود الله حتى يؤلف ألف دليل ليُذهب هذا الشك!

دعاء الإمام بإيمان عجائز نيسابور الفطري واستجابة الله لمن يدعوه

قال [الإمام]: اللهم، لقد سمع هذه العبارة من المرأة العجوز، [فقال]: اللهم ارزقني إيمانًا كإيمان عجائز نيسابور.

الإيمان الفطري: أن كل واحد يعرف أن هناك ربًا، وعندما يقع في أزمة يقول: يا رب، والله يستجيب له. فمن الذي يستجيب إذن؟ وهذه استجابات غريبة عجيبة.

معنى الإنذار والتهديد للكافرين قساة القلوب وختام اللقاء

إذا سمَّى [الله] الكافر كافرًا والكفر كفرًا؛ لأن فيه سترًا، يقول [تعالى]: «أنذرت»، والإنذار فيه نوع من أنواع الوعيد، والإشعار فيه نوع من أنواع الوعد أو التنبيه.

فهنا ينذرهم أي يهددهم، وسبب تهديده لهم أنه — سبب التهديد لهم — أنهم قساة القلوب.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.