سورة البقرة | حـ 39 | آية 10 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •القرآن الكريم هو هداية للمتقين كما وصفه الله تعالى، ويجب طلب الهداية منه.
- •في قوله تعالى: "في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون"، الباء في "بما" للسببية، و"ما" موصولة بمعنى "الذي".
- •كلمة "ما" في اللغة العربية لها ستة وثلاثون معنى، منها: الموصولة، النافية، المصدرية، الزائدة، والكافة.
- •العذاب الأليم يشير إلى الكيف (النوعية)، بينما العذاب العظيم يشير إلى الكم (الحجم).
- •الكيف أهم من الكم، فالمنافق له عذاب أليم والكافر له عذاب عظيم، والأليم أشد.
- •صيغة "فعيل" (مثل: أليم، عظيم، حليم، رحيم) تصلح للدلالة على اسم الفاعل أو اسم المفعول أو كليهما معًا.
- •"فعيل" تحمل معنى المبالغة، فرحيم أشد رحمة من راحم، وأليم أشد إيلامًا من مؤلم.
- •التدبر في القرآن يتطلب معرفة معاني الصيغ ودلالاتها المختلفة.
مقدمة الدرس والدعوة للتدبر في كتاب الله الذي هو هدى للمتقين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات، عسى أن نطلب منه الهداية، كما وصف الله ربنا سبحانه كتابه بذلك فجعله هدى للمتقين.
تفسير قوله تعالى في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10]
دائمًا عندما نتصور العذاب نتصور الألم الموجع المحذِّر، الصادر من الرحمن الرحيم. يجب هكذا [أن نتصوره]، الصادر من الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى.
شرح باء السببية وما الموصولة في قوله تعالى بما كانوا يكذبون
«بما»: الباء هنا يسمونها باء السببية، يعني بسبب. أُزيل الباء وأضع الكلمة مكانها: بسبب ما كانوا يكذبون.
«ما» هنا يسمونها ما الموصولة، وما الموصولة هذه تعني «الذي»، فيكون المعنى: بسبب الذي كانوا يكذبون، أي بسبب كذبهم.
معاني ما في اللغة العربية بين النافية والموصولة والمصدرية
فـ«ما» في لغة العرب لها ستة وثلاثون معنى، منها «الذي» [أي الموصولة]، ومنها أن تكون نافية.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 12]
ألم نأخذ من قبل الآية التي قبلها:
﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9]
تعني تنفي شعورهم، فـ«ما» هذه نافية، و«ما» تلك [في بما كانوا يكذبون] بمعنى الذي.
شرح ما المصدرية وما الزائدة وما الكافة وتعدد معاني ما
وفي «ما» مصدرية؛ يُقال لك: «ما صلّوا» بمعنى ما داموا يصلون، هم هنا الـ«ما» يسمونها ما مصدرية، ما داموا يصلون، ما صلّوا: ديمومة صلاتهم.
يعني ستة وثلاثون معنى لـ«ما» تختلف هنا من هنا من هنا من هنا.
وفي «ما» زائدة، مثل عندما يقول: «كلما»، «طالما»، «ما» هنا هذه زائدة لا تعمل شيئًا.
«إنما»: يُقال لك «ما» هنا كافّة، تعني ماذا؟ تعني أن «إنّ» تعمل فتنصب الاسم المبتدأ وترفع الخبر [وهي من إنّ وأخواتها]، ولكن عندما دخلت عليها «ما» لم تعد تعمل، توقّف عملها.
«إنما المؤمنون...» قُل: «إنّ المؤمنين»، ولكن عندما دخلت «ما» أبطلت عملها. إنما، فـ«ما» لها معانٍ كثيرة.
وجوب التنبه لمعاني ما عند قراءة القرآن وتعدد معاني الآية الواحدة
فيجب علينا ونحن نقرأ أن ننظر ما معناها [أي معنى «ما»] هنا، وقد تكون لها أحيانًا معنى واحد، وقد يكون لها معنيان، فتكون الآية لها معنيان هكذا.
الفرق بين عذاب أليم وعذاب عظيم من حيث الكم والكيف
قد يكون:
﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 10]
هناك [في آيات أخرى] الكافرون لهم عذاب عظيم. العظيم يدل على الحجم [أي الكمّ]، وهنا [أليم] كُنه العذاب، يعني هناك الكمّ وهنا الكيف.
فيكون عذاب أليم أقوى أم عذاب عظيم؟ هذه عودة إلى «عظيم»: عودة إلى الكمّ، و«أليم»: عودة إلى الكيف. فهل الكمّ هو المقدّم أم الكيف المقدّم؟ لا، الكيف المقدّم.
أمثلة توضيحية على تقديم الكيف على الكم في القيمة والمكانة
يعني أنت معك عشرة كيلوغرامات من الصفيح ومعك قطعة ماس صغيرة الحجم تساوي مائة ألف جنيه، والعشرة كيلوغرامات صفيح كم تساوي؟ لا شيء يُذكر، عشرة كيلوغرامات صفيح قد تجدهم بعشرة جنيهات، لا شيء. فإذن الكمّ ليس هو الأساس، بل الكيف هو الأساس.
قال [أحدهم]: «أرسل إليك ثلاثة، كل واحد منهم بألف رجل»، هم ثلاثة لكن في إدارة المعركة كألف رجل. واحد يكون من المجتهدين العظام أو من القرّاء العظام مثل سيدنا مالك ومثل سيدنا نافع في المدينة بمائة ألف عالم. لماذا؟ المائة ألف عالم يدرّسون ويعلّمون، لكن هذا يجتهد، هذا يقول لي الحكم الأصلي ويكشفه.
عذاب المنافق أليم وعذاب الكافر عظيم والأليم أشد لأنه كيفي
فإذا كان الكمّ متأخرًا عن الكيف، فإن المنافق له عذاب أليم، والكافر له عذاب عظيم، فيكون الأليم أقوى طبعًا؛ لأنه كيف [لا كمّ].
شرح وزن فعيل في اللغة العربية ودلالته على اسم الفاعل أو المفعول
هذا «أليم» على وزن فعيل، وهذا الوزن يجب أن نحفظه لأنه سيأتي معنا كثيرًا: عظيم، أليم، حليم، رحيم، وهكذا.
كل ما كان على وزن فعيل فإنه يصلح في اللغة العربية لأن يدل على اسم الفاعل أو اسم المفعول:
- •قتيل يعني مقتول.
- •جريح يعني مجروح.
إذن أليم يعني مؤلم. فقير يعني مفتقر، وجبير يعني جابر [اسم فاعل].
فكل هذا يعني أن صيغة فعيل أحيانًا تأتي وتعني اسم الفاعل، وأحيانًا أخرى تأتي فتعني اسم المفعول.
وزن فعيل قد يدل على اسم الفاعل والمفعول معًا مثل حبيب وبديل
وأحيانًا تأتي [صيغة فعيل] — ما رأيك — الاثنين معًا!
مثل «حبيب» على وزن فعيل: فحبيب يعني محبوب أو مُحِبّ. الشخص الذي يُحَبّ نقول له: نعم أنت حبيب، والشخص الذي يُحِبّ نقول له: أنت حبيب أيضًا.
«بديل» تصلح للاثنين: أي هو يقوم بالبدل، أو أنه الذي جاء بدلًا من الآخر.
فإذن فعيل تصلح للدلالة على اسم الفاعل، تصلح للدلالة على اسم المفعول، تصلح للدلالة عليهما معًا.
منهج تدبر القرآن عند ورود صيغة فعيل باختبار اسم الفاعل والمفعول
فهذا دائمًا عندما يأتي [في كتاب الله] سبحانه وتعالى، عندما نجد في كتابه فعيل، فينبغي على الفور أن ننتبه، فنزيلها ونضع فاعل، ربما لا تصلح، إذن نزيلها ونضع مفعول، إما هذه وإما تلك.
إذن لِمَ لا نجرّب الاثنين ونرى أيهما أفضل: فاعل أم الاثنين [معًا]، ونسير على ماذا؟ فهذا هو التدبر في القرآن: أن تكون معك هذه الآلة، وهو أن فعيل تصلح اسم الفاعل أو المفعول أو هما معًا. هذه الكلمة يجب حفظها وتدبّر القرآن [بها].
تطبيق وزن فعيل على اسم الله الرحيم والفرق بين فعيل وفاعل في المبالغة
بسم الله الرحمن الرحيم. «رحيم» هذه على وزن فعيل، فهل تعني راحم أم مرحوم؟ راحم؛ لا يصح أن يكون مرحومًا، من الذي يرحمه سبحانه وتعالى؟ هو رب الأرباب، رب العالمين سبحانه وتعالى، فلا يصح أن تكون هكذا هنا. إن رحيم هنا راحم فقط.
ولكن ما الفرق بين راحم ورحيم، أو بين مؤلم وأليم؟ قال: هذه [صيغة فعيل] فيها مبالغة في المعنى:
- •رحيم فيها رحمة أشد من راحم.
- •قتيل فيها معنى أشد من مقتول.
- •أليم فيها معنى أشد من آلم أو مؤلم.
المعنى الذي فيه الفعل هنا في هذه الصيغة أشد، ولذلك يسمونها صيغة مبالغة.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
