سورة البقرة | حـ 40 | آية 11 - 12 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •القرآن الكريم كتاب هداية وصفه الله بأنه هدى للمتقين، ويخاطب الإنسان بأسلوب يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص.
- •تحذير الله من الفساد في الأرض بعبارة "لا تفسدوا في الأرض" جامعة شاملة لكل أنواع الفساد البيئي والأخلاقي والسياسي والاقتصادي.
- •المفسدون يردون دائماً بقولهم "إنما نحن مصلحون" لكنهم يفتقدون المعيار الصحيح للتمييز بين الصلاح والفساد.
- •يهتم المفسدون بالمصلحة الآنية دون النظر للمستقبل، كمن يلوث البيئة ويتسبب في تدمير الأرض.
- •الله وحده هو من يصف الأفعال بالحسن والقبح، وليس العقل أو الشعب أو الحاكم، وهذا من معاني شهادة أن لا إله إلا الله.
- •بعض الناس يحاولون تسمية المنكرات حقوقاً للإنسان كالشذوذ والإجهاض، مخالفين بذلك الفطرة وأمر الله.
- •وصف الله للمفسدين مؤكد بقوله "إلا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون" لفقدانهم المعيار الإلهي.
مقدمة الجلسة مع كتاب الله والدعاء بالهداية من القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات، عسى أن نطلب منه الهداية كما وصف الله ربنا سبحانه كتابه بذلك، فجعله هدى للمتقين.
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 11]
المفسد في الأرض لا يملك المعيار ولا يعرف حقيقة الفساد
ولكن [المفسد في الأرض] ليس لديه المعيار، وهو لا يعرف ما معنى الفساد في الأرض. فهو يريد أن يبني ويرفع في البنيان، ويرى أن هذا هو الصلاح للأرض. يريد المصلحة الآنية ولا يهمه كثيرًا إذا كان ثقب الأوزون يتسع أم لا يتسع.
فهو يريد أن يبيع ما صنعه من الفريون أو من السيارة التي تلوث البيئة، لكن لا يهم إذا كنا نترك هذه الأرض لأولادنا وأحفادنا خرابًا يبابًا، أو أن نتركها عامرة من غير تدمير بل بالتعمير. فهو لا يفرق بين التدمير والتعمير.
خصيصة القرآن العظمى في تجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 11]
وهذه خصيصة من خصائص القرآن العظمى التي تثبت أنه من عند الله؛ أنه يتكلم بكلام يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. لا يدخل في تفاصيل تجعله كتاب زمنٍ دون كتاب زمنٍ آخر، دون أن يكون كتاب زمنٍ آخر، أو كتاب مكانٍ وليس لمكانٍ آخر، أو شخصٍ أو قبيلةٍ ولا يصلح للباقين، أو حالٍ دون حال.
شمولية النهي عن الفساد في الأرض وصور الفساد المتعددة التي لا تتناهى
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 11]
كلمة جامعة مانعة شاملة كاملة: لا تفسدوا في الأرض. لم يقل إذن ما هو برنامج الفساد، ما هو؟ لا تفسد في الأرض. ما شكل هذا الفساد؟
أن نقطع الغابات ونقتل الحيوانات ونؤدي إلى التصحر وإلى المجاعات، أو نلقي القنابل الذرية على هيروشيما وعلى ناجازاكي وهكذا ونفسد في الأرض ونشوه خلق الله، أو أننا نفسد في الأرض بالظلم والعدوان والطغيان والاحتلال، أو أننا نغتصب الأرض وننتهك العرض، أو أننا... صور الفساد كثيرة لا تتناهى.
منهج القرآن في مخاطبة الإنسان عبر الزمان والمكان بكلام شامل
فلم يتكلم [القرآن] عن صورة ويترك صورًا أخرى، وإنما تكلم بطريقة ستراها في القرآن كله، وهي أنه يخاطب الإنسان عبر الزمان والمكان في كل الأحوال ولجميع الناس.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
إعجاز الإيجاز في سبع كلمات تصلح لبناء حضارة البشرية كلها
إذا:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 11]
نلاحظ فيها إيجازًا، فنلحظ فيها إعجازًا.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 11]
سبع كلمات وإذ بها تصلح للبشرية كلها في:
- •بناء حماية البيئة،
- •وبناء حقوق الإنسان،
- •وبناء العلاقات الدولية،
- •وبناء قضايا الصناعة والاقتصاد،
- •وبناء حركة المال،
- •وبناء ما [شئت من مجالات الحياة].
هذا! سبع كلمات! هذا القرآن.
الفرق بين كلام الله وكلام النبي ﷺ دليل على أن القرآن من عند الله
ما كان يستطيع محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي بمثل هذا من عند نفسه؛ فإن الله قد حفظ لنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في دواوين السنة، فكان على غير هذا النمط.
ولا يستطيع إنسان أن يغير من كلامه وأسلوبه وصياغته بهذا القدر، والبون الشاسع بين كلام ربنا سبحانه وتعالى وفضله على كلام البشر كفضل ذات الله على خلقه.
رد المنافقين الجاهز بادعاء الإصلاح ومن يملك وصف الأفعال بالحسن والقبح
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 11]
الرد جاهز على الفور:
﴿قَالُوٓا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 11]
البرنامج ليس معهم، نحن هكذا مصلحون!
فمن إذن يصف الأفعال بالحسن والقبح؟ الله. وهذا ما يطبقه المسلمون شرقًا وغربًا، سلفًا وخلفًا، أن الذي يصف الأشياء بأوصافها الحقيقية ويحكم على الأفعال بأحكامها الشرعية هو الله، لا العقل، ولا الشعب، ولا الدكتاتور، ولا الطبقة، ولا أحد سوى الله.
﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]
معنى لا إله إلا الله في تفرد الله بوصف الأفعال وترتيب الثواب والعقاب
وهذا هو معنى قولنا لا إله إلا الله محمد رسول الله. لا إله إلا الله يعني: لا يصف الأفعال والأقوال والأشياء بالحسن والقبح سوى الله؛ فهو الذي يرتب عليها العقاب والثواب والذم والمدح.
وأن الله سبحانه وتعالى متفرد في جلاله بذلك. ومن أجل ذلك جاءت هذه المفارقة [بين من يدّعي الإصلاح وحقيقة الفساد].
الخلاف بين دعوى الصلاح ومعيار الفساد المخالف لأمر الله وفطرته
هذا الفعل الذي قمت به أيها الإنسان، هو من قبيل الصلاح أو من قبيل الفساد؟ أنا أقول إنه من قبيل الفساد؛ لأنه مخالف لأمر الله وفطرته وخلقه والاجتماع البشري. فيرد عليه يقول: لا، هذا من قبيل الصلاح؛ لأنه يحقق شيئًا من رغبتي أو شهوتي أو مصلحتي.
ومن هنا رأينا أقوامًا يريدون أن يعدّوا الشذوذ الجنسي من حقوق الإنسان، أو الإجهاض من حقوق الإنسان، وبعضهم أراد أن يجعل المخدرات من حقوق الإنسان.
حقوق الإنسان الحقيقية المتفق عليها بين البشر وردّ دعاوى الفساد
قلنا لهم: إن حقوق الإنسان هي المتفق عليها بين البشر من:
- •حماية العرض،
- •وكرامة الإنسان،
- •والعقل والنفس والدين،
- •والمال والملكية وكسب المال وتداوله.
وليس هذا الذي تقولون عنه [حقوقًا]. فما دمنا لم نتفق، وهناك ستة مليارات [من البشر]، والستة مليارات كلهم على رأي واحد: إن الشذوذ شذوذ، وإن المخدرات مخدرات، وإن الفساد في الأرض فساد، وإن الإجهاض إنما هو قتل نفس حرّمها الله، وهو قتل نفس بغير حق.
وهناك فئة قليلة هكذا قالت: لا، هذه من حقوق الإنسان.
الله وحده هو من يصف الأفعال بالفساد والصلاح لا بعض البشر
حسنًا! ماذا بعد؟ أهذا فساد أم صلاح؟ نحن نقول: فساد.
حسنًا، لماذا فساد؟ لأن الله قوّمه فسادًا، وصفه فسادًا. فما بال البشر - بعض البشر - وصفوه بأنه صلاح؟ نقول: والله ما يلزمنا. هكذا قال ربنا:
﴿قَالُوٓا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 11]
أما هم فيقولون هكذا فعلًا، صدق الله. لم يكن المرء مصدقًا، ولكن الأمر بيّن. هذا [المفسد] يجب عليه أن يستحي، لكنه لا يستحي؛ لأنهم فقدوا المعيار والحكم.
﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 12]
تأكيدات الآية المتعددة على أنهم هم المفسدون وبيان الإعجاز البلاغي فيها
حسنًا، وبعد ذلك اختلطت القضية، ويقدمون كتبًا وتقارير وأبحاثًا بأننا محقون. الله أعلم.
ماذا يقول لهم ربنا لكي يطمئننا؟ أولًا: لأن كل هذا له رد؛ التقارير تتلاعب بالإحصائيات، والكتب فيها دجل وليس فيها علم، والعلماء الحقيقيون يردون عليهم في الشرق وفي الغرب.
إلا أنهم هم - انتبه للكلام -:
﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: 12]
يعني ماذا؟ «ألا» أن هذه تأكيد، «إنّ» للتأكيد، «هم» التكرار للتأكيد. إذن أكّد كم مرة حتى الآن؟ واحد، اثنان، ثلاثة. بتكرار «المفسدون».
دلالة استعمال الاسم والألف واللام في وصفهم بالمفسدون على الاستمرار والعهد
واستعمل الاسم الذي يبين الاستمرار دون الفعل الذي يبين التجديد.
﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: 12]
لا، بل: إنهم هم المفسدون. وكذلك جاء بالألف واللام لكي تأتي للعهد، أي: هم أولئك المفسدون تمامًا. أي هم أولئك الذين إذا أردت أن تقول عنه مفسد، فهو ذاك، هو ذاك المفسد المثال، المفسد الذي في الذهن.
﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: 12]
إذن أصبحنا خمسة [تأكيدات].
سبب عدم شعورهم بالفساد هو فقدانهم للمعيار الإلهي والخاتمة
﴿وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 12]
لفقدهم للبرنامج، لفقدهم للمعيار الذي وضعه الله سبحانه وتعالى.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
