سورة البقرة | حـ 42 | آية 14 : 15 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات مع قوله تعالى في سورة البقرة وهو يصف حال المنافقين "وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا" [البقرة: ١٤] تجد المنافق من هؤلاء حتى يقطع الطريق على النقاش لأنه غير قادر عليه ولأنه لا يريد أن يدخل ولأنه لا يريد أن يقطع مصالحه مع المؤمنين قالوا آمنا في حين أنه يستبطن غير ذلك "وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ" [البقرة: ١٤] وإذا خلوا
إلى؛ انظر إلى الكلام كل فعل في اللغة العربية يأخذ حرفا من حروف الجر خلوا عندما نراجع الشعر العربي ونراجع الكلام العربي نجدها تأخذ الباء أي خلوا بشياطينهم لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهم فما تقوله اللغة العربية هو أن خلا هذا فعل يأخذ حرفا معه وما الحرف المختص به هو الباء وهنا أي في الآية المذكورة يقول إلى، فما المقصود؟ القصد هو تضمين الفعل خلا فعلا آخر أشار إليه
بهذا الحرف الآخر خلوا بشياطينهم ليبقوا هكذا ومعتادين على ذلك أي جلسوا في الحجرة مع بعضهم البعض لكن خلا إلى تعني مطمئنا إلى من أين جئت بمطمئن؟ من كلمة إلى ما الذي جعلك تقول إن هناك اطمئنانا من أين جئت بهذا الاطمئنان؟ أمامك خلوا إلى؛ قالوا إلى هذه أرشدتني أن الخلو هذا تم بطمأنينة لذلك ربنا لم ينزل الباء وإنما قال إلى لكي ينبهنا أن هذا ليس خلوا طبيعيا ليس خلوة عاديا ليس خلوة انفراديا
فقط أن واحدا قابل الآخر لا بل قابله وهو يحبه وهو مطمئن إليه وآمن إليه والذي مطمئن وآمن ويحب هذا يعني أنه ينوي تغيير شيء عارض وهو لا يدرك ذلك؟ أم يريد تغييره عن قصد ونية وعزم وتأكد وهمة؟ لا، هذه الثانية خلوا إلي فتكون خلوا بطمأنينة فتقول لي يا سيدنا الشيخ: إذن الطمأنينة هذه من أين جئت بها هل في القرآن ذكرت كلمة طمأنينة لا أقول لك: لا بل بسبب إلى، فعندما يأتي واحد جاهل مضحك يقول لك القرآن اخطأ هذا
يقول خلوا إلى وهي خلوا به، نقول له اصمت أنت لا تفهم شيئا إطلاقا، هذا القرآن هو حجة اللغة العربية، هذا القرآن هو الذي نأخذ منه لنرى ماذا يقول ونأخذ منه فيكون هو المعيار هو المقياس. أتريد أن تأتي في عقلك بشيء من الخارج وتجعله هو المقياس عليه؟ هذا لا يصح فأنت جاهل والجاهل لا يرد عليه وإلا فماذا نقول له؟ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: ٦٣] لأن ما يقوله لا يصح، وإذا خلوا إلى شياطينهم يعني مطمئنون إلى شياطينهم وهذا يناسب النفاق أم لا يناسبه؟ يناسب لأن المنافق مصيبة
هو من أولها لآخرها، قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إنا معكم يبقى أيضا يؤكدون لهم إِنَّمَا أيضا تأكيد وما زيادة على إن وهذه الزيادة لماذا تدخل في اللغة العربية؟ إننا مستهزئون" وانتهى الأمر؛ قال الزيادة في المبنى زيادة في المعنى إذن هذه الأشياء يجب أن نحفظها هكذا، الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، إذن اليوم حفظنا ماذا التضمين أنه مع تغير الحرف يتضمن الفعل معنى فعل آخر إذن أنت كأنك وسعت في الكلام. رقم اثنين: التأكيد، رقم
ثلاثة: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، كل هذه هي الأدوات التي سنفهم بها كتاب ربنا والتي سيتضح بها عظمة كتاب ربنا وأنه صالح لكل زمان ومكان، "إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ" الألف والسين والتاء تدخل للطلب أيضا هذه احفظها، مثال: استخرج يعني طلب الخروج؛ استخراج البترول من الأرض يعني طلب إخراجه من الأرض، واستنباط يعني طلب الماء فنحفر البئر لكي نصل إلى المياه ونستخرجها، إستعمر كما في قول الله قوله تعالى "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" يعني طلب منكم
عمارتها، وكذلك استفتى يعني طلب الفتوى، فالهمزة والسين والتاء معناها الطلب وتأتي في عشر صور قال النحاة عشر صور ولكن كل العشر صور فيها طلب استحجر الطين يعني صار حجرا فيقول لك خطئا هذه الألف والسين والتاء للصيرورة؛ لا، هي معناها طلب الحجرية يعني الطين مال إلى وطلب الحجرية، استثمر يعني طلب الثمرة وهكذا، استنوق الجمل يعني طلب أن يكون ناقة لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء ومن المتشبهات من النساء بالرجال وهكذا فلما ذكر هنا استهزأ يعني طلب الهزء والطلب هذا محتاج لنية وإرادة أم
لا؟ نعم، إذن ما قال نحن هازئون بل قال ماذا إنما نحن مستهزئون طالبون والطالب هذا يكون فيه نية وإرادة أم لا؟ نعم، يكون فيه نية وإرادة إذن الله سبحانه وتعالى وهو يحاسبهم على ذلك لم يظلمهم لأنهم قاصدون عامدون عالمون مريدون لما يفعلون، وما يفعلونه شر، فانظر إلى الكلام عندما يقول لك "قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ" كان يمكن أن يكون استهزأ على العادة أي جرى لسانه بالاستهزاء أو كذلك إلى آخره سخرية هكذا لكن لا هذا مستهزئ
فتبقى الألف والسين والتاء دخلت للطلب وهذا يعني الإرادة والإرادة تعني النية والنية تعني القصد والعلم والاختيار، ليس هناك أحد أكرههم، ليس هناك أحد أضلهم، ليس هناك أحد لا يعلم أنهم يفعلون ذلك جهلا، الألف والسين والتاء تدخل للطلب والطلب يقتضي التكليف، إذن هذا مكلف وهو يفعل ذلك من قلة دينه، يفعلها قاصدا مختارا، ليس هناك فعل يثبت على الإنسان إلا بهذه الثلاثة، متى يعد الإنسان قاتلا؟ إذا قتل أخاه قاصدا عالما مختارا. متى يعد الإنسان سارقا؟ إذا سرق مال
غيره قاصدا عالما مختارا. حسنا، افترض أنه لم يقصد السرقة بينما كان يستعير الكتاب، فلا يكون سارقا. افترض إن لم يكن عالما أن هذا ليس ملكه فلا يكون سارقا، افترض أن أحدا قال له إن لم تسرق هذا الكتاب فسأضربك بالنار الآن ووضع المسدس على رأسه، فلا يكون سارقا لأنه مضطر تحت الإكراه الشديد، فمتى يثبت الشيء للإنسان؟ يثبت الشيء للإنسان عندما يأتيه قاصدا عالما مختارا، أنا في يدى المصحف مقدس عند المسلمين وسقط من يدي دون قصد فأنا بذلك لست مهينا له وإنما هؤلاء الذين أهانوا المصحف هؤلاء وصدر منهم ذلك قصدا عامدا مختارا فمصيرهم
جهنم وبئس المصير، اذهب إلى الجحيم والله سبحانه وتعالى ينتقم من هؤلاء بعلمه سبحانه وتعالى، كان هناك واحد اسمه الوليد بن يزيد كان من الفسقة، فتح الكتاب مرة هكذا فوجد أية تقول "وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" [ابراهيم: ١٥] فغضب الوليد وقال لله: "أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك الجبار العنيد إذا ما جئت ربك يوم الحشر فقل يا رب مزقني الوليد" وقام بتقطيع المصحف قاصدا عالما مختارا، فسلط الله عليه بعض العيارين فقتلوه وعلقوا رأسه على باب قصره كان في الدولة الأموية حينذاك إذا الله ينتقم من ذلك الفعل المتعمد، لكن الذي حدث منه شيء من غير قصد أو
من غير علم أو من غير إختيار فهذا يكون معذور ولذلك ذكر في الأية "قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون" فهم يعلمون ما يفعلون فيؤاخذون على ما يعملون والله تعالى أعلى وأعلم وإلى لقاء آخر نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.