سورة البقرة | حـ 42 | آية 14 : 15 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 42 | آية 14 : 15 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • يشرح النص تفسير آية المنافقين في سورة البقرة "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون".
  • استخدام "إلى" بدل "بـ" في "خلوا إلى شياطينهم" يدل على أن الخلوة تمت بطمأنينة وليست مجرد خلوة عادية.
  • التضمين في اللغة يعني أن تغير الحرف يجعل الفعل يتضمن معنى فعل آخر، فـ"خلوا إلى" تعني خلوا مطمئنين.
  • القرآن الكريم هو حجة اللغة العربية والمعيار لفهم معانيها وتراكيبها.
  • "إنما" تأتي للتأكيد، فالزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى.
  • الألف والسين والتاء في "مستهزئون" تدل على الطلب، مما يشير إلى النية والقصد والإرادة.
  • لا يثبت الفعل على الإنسان إلا إذا أتاه قاصداً عالماً مختاراً، والمنافقون مؤاخذون لأنهم يعلمون ما يفعلون.
  • الاستهزاء هنا مقصود ومتعمد، وليس عن جهل أو إكراه.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية وصف حال المنافقين مع المؤمنين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات، مع قوله تعالى في سورة البقرة وهو يصف حال المنافقين:

﴿وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا﴾ [البقرة: 14]

تجد المنافق من هؤلاء حتى يقطع الطريق على النقاش؛ لأنه غير قادر عليه، ولأنه لا يريد أن يدخل [في مناقشة حقيقية]، ولأنه لا يريد أن يقطع مصالحه مع المؤمنين، قالوا آمنا، في حين أنه يستبطن غير ذلك [أي يُخفي الكفر في داخله].

﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: 14]

التضمين النحوي في قوله تعالى خلوا إلى شياطينهم بدلاً من خلوا بشياطينهم

وإذا خلوا إلى؛ انظر إلى الكلام: كل فعل في اللغة العربية يأخذ حرفًا من حروف الجر. "خلوا" عندما نراجع الشعر العربي ونراجع الكلام العربي نجدها تأخذ الباء، أي: خلوا بشياطينهم.

كما في الحديث:

«لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان الشيطان ثالثهم»

فما تقوله اللغة العربية هو أن "خلا" هذا فعل يأخذ حرفًا معه، وما الحرف المختص به هو الباء. وهنا، أي في الآية المذكورة، يقول "إلى".

فما المقصود؟ القصد هو تضمين الفعل "خلا" فعلًا آخر أشار إليه بهذا الحرف الآخر [وهو "إلى"]. "خلوا بشياطينهم" ليبقوا هكذا ومعتادين على ذلك، أي جلسوا في الحجرة مع بعضهم البعض. لكن "خلا إلى" تعني مطمئنًا إلى [من يخلو إليه].

دلالة حرف إلى على الطمأنينة في خلوة المنافقين بشياطينهم

من أين جئت بمطمئن؟ من كلمة "إلى". ما الذي جعلك تقول إن هناك اطمئنانًا، من أين جئت بهذا الاطمئنان؟ أمامك "خلوا إلى"؛ قالوا: "إلى" هذه أرشدتني أن الخلوَّ هذا تمّ بطمأنينة.

لذلك ربنا سبحانه وتعالى لم يُنزل الباء وإنما قال "إلى" لكي ينبّهنا أن هذا ليس خلوًّا طبيعيًّا، ليس خلوةً عادية، ليس خلوةً انفرادية فقط أن واحدًا قابل الآخر، لا، بل قابله وهو يحبه وهو مطمئن إليه وآمِنٌ إليه.

والذي [هو] مطمئن وآمِنٌ ويحب هذا [الشيطان]، يعني أنه ينوي تغيير شيء عارض وهو لا يدرك ذلك؟ أم يريد تغييره عن قصد ونية وعزم وتأكد وهمة؟ لا، هذه الثانية [أي عن قصد ونية]. "خلوا إلى" فتكون خلوًا بطمأنينة.

الرد على من يدّعي خطأ القرآن في استعمال حرف إلى بدل الباء

فتقول لي يا سيدنا الشيخ: إذن الطمأنينة هذه من أين جئت بها، هل في القرآن ذُكرت كلمة طمأنينة؟ لا، أقول لك: لا، بل بسبب "إلى".

فعندما يأتي واحد جاهل مُضحك يقول لك: القرآن أخطأ! هذا يقول "خلوا إلى" وهي "خلوا به"، نقول له: اصمت، أنت لا تفهم شيئًا إطلاقًا. هذا القرآن هو حجة اللغة العربية، هذا القرآن هو الذي نأخذ منه لنرى ماذا يقول، ونأخذ منه فيكون هو المعيار هو المقياس.

أتريد أن تأتي في عقلك بشيء من الخارج وتجعله هو المقياس عليه؟ هذا لا يصح، فأنت جاهل، والجاهل لا يُردّ عليه. وإلا فماذا نقول له؟

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا سَلَـٰمًا﴾ [الفرقان: 63]

لأن ما يقوله لا يصح.

مناسبة الطمأنينة إلى الشياطين لحال المنافقين وتأكيدهم بإنّا معكم

وإذا خلوا إلى شياطينهم يعني مطمئنون إلى شياطينهم. وهذا يناسب النفاق أم لا يناسبه؟ يناسب؛ لأن المنافق مصيبة، هو [مصيبة] من أولها لآخرها.

﴿قَالُوٓا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: 14]

"إنّا معكم" يبقى أيضًا يؤكدون لهم.

﴿إِنَّمَا﴾ [البقرة: 14]

أيضًا تأكيد، وما [هي] زيادة على "إنّ"؟ وهذه الزيادة لماذا تدخل في اللغة العربية؟ إننا مستهزئون وانتهى الأمر؛ قال [العلماء]: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى.

إذن هذه الأشياء يجب أن نحفظها هكذا: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى.

ملخص القواعد اللغوية المستفادة من الآية: التضمين والتأكيد والزيادة في المبنى

إذن اليوم حفظنا ماذا؟

  1. التضمين: أنه مع تغيّر الحرف يتضمن الفعل معنى فعل آخر، إذن أنت كأنك وسّعت في الكلام.
  2. التأكيد.
  3. الزيادة في المبنى زيادة في المعنى.

كل هذه هي الأدوات التي سنفهم بها كتاب ربنا، والتي سيتضح بها عظمة كتاب ربنا وأنه صالح لكل زمان ومكان.

﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: 14]

دلالة الألف والسين والتاء على الطلب مع أمثلة تطبيقية متعددة

الألف والسين والتاء تدخل للطلب، أيضًا هذه احفظها.

مثال: "استخرج" يعني طلب الخروج؛ استخراج البترول من الأرض يعني طلب إخراجه من الأرض. و"استنباط" يعني طلب الماء، فنحفر البئر لكي نصل إلى المياه ونستخرجها.

"استعمر" كما في قوله تعالى:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

يعني طلب منكم عمارتها. وكذلك "استفتى" يعني طلب الفتوى.

فالهمزة والسين والتاء معناها الطلب، وتأتي في عشر صور. قال النحاة: عشر صور، ولكن كل العشر صور فيها طلب. "استحجر الطين" يعني صار حجرًا، فيقول لك [أحدهم] خطأً: هذه الألف والسين والتاء للصيرورة؛ لا، هي معناها طلب الحجرية، يعني الطين مال إلى وطلب الحجرية.

"استثمر" يعني طلب الثمرة، وهكذا. "استنوق الجمل" يعني طلب أن يكون ناقة.

«لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء ومن المتشبهات من النساء بالرجال»

وهكذا.

دلالة مستهزئون على الإرادة والنية والقصد في فعل المنافقين

فلما ذُكر هنا "استهزأ" يعني طلب الهزء. والطلب هذا محتاج لنية وإرادة أم لا؟ نعم.

إذن ما قال [المنافقون]: "نحن هازئون"، بل قال ماذا؟

﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: 14]

طالبون [للهزء]، والطالب هذا يكون فيه نية وإرادة أم لا؟ نعم، يكون فيه نية وإرادة.

إذن الله سبحانه وتعالى وهو يحاسبهم على ذلك لم يظلمهم؛ لأنهم قاصدون عامدون عالمون مريدون لما يفعلون، وما يفعلونه شر.

فانظر إلى الكلام عندما يقول لك:

﴿قَالُوٓا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: 14]

كان يمكن أن يكون "استهزأ" على العادة، أي جرى لسانه بالاستهزاء أو كذلك إلى آخره سخرية هكذا، لكن لا، هذا مستهزئ [بقصد وإرادة]. فتبقى الألف والسين والتاء دخلت للطلب، وهذا يعني الإرادة، والإرادة تعني النية، والنية تعني القصد والعلم والاختيار.

ليس هناك أحد أكرههم، ليس هناك أحد أضلّهم، ليس هناك أحد لا يعلم أنهم يفعلون ذلك جهلًا.

شروط ثبوت الفعل على الإنسان: القصد والعلم والاختيار مع أمثلة تطبيقية

الألف والسين والتاء تدخل للطلب، والطلب يقتضي التكليف. إذن هذا مكلّف وهو يفعل ذلك من قلة دينه، يفعلها قاصدًا مختارًا.

ليس هناك فعل يثبت على الإنسان إلا بهذه الثلاثة:

متى يُعدّ الإنسان قاتلًا؟ إذا قتل أخاه قاصدًا عالمًا مختارًا.

متى يُعدّ الإنسان سارقًا؟ إذا سرق مال غيره قاصدًا عالمًا مختارًا.

حسنًا، افترض أنه لم يقصد السرقة بينما كان يستعير الكتاب، فلا يكون سارقًا. افترض إن لم يكن عالمًا أن هذا ليس ملكه، فلا يكون سارقًا. افترض أن أحدًا قال له: إن لم تسرق هذا الكتاب فسأضربك بالنار الآن، ووضع المسدس على رأسه، فلا يكون سارقًا؛ لأنه مضطر تحت الإكراه الشديد.

فمتى يثبت الشيء للإنسان؟ يثبت الشيء للإنسان عندما يأتيه قاصدًا عالمًا مختارًا.

قصة الوليد بن يزيد الذي مزّق المصحف قاصدًا وانتقام الله منه

أنا في يدي المصحف مقدّس عند المسلمين، وسقط من يدي دون قصد، فأنا بذلك لست مهينًا له. وإنما هؤلاء الذين أهانوا المصحف، هؤلاء وصدر منهم ذلك قصدًا عامدًا مختارًا، فمصيرهم جهنم وبئس المصير، اذهب إلى الجحيم.

والله سبحانه وتعالى ينتقم من هؤلاء بعلمه سبحانه وتعالى. كان هناك واحد اسمه الوليد بن يزيد كان من الفسقة، فتح الكتاب [المصحف] مرة هكذا فوجد آية تقول:

﴿وَٱسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15]

فغضب الوليد وقال لله [متحديًا]: أتوعد كل جبار عنيد؟ فها أنا ذاك الجبار العنيد! إذا ما جئتَ ربك يوم الحشر فقل: يا رب مزّقني الوليد. وقام بتقطيع المصحف قاصدًا عالمًا مختارًا.

فسلّط الله عليه بعض العيّارين [اللصوص] فقتلوه وعلّقوا رأسه على باب قصره، كان في الدولة الأموية حينذاك. إذن الله ينتقم من ذلك [الفعل المتعمد].

خاتمة الدرس ومؤاخذة المنافقين لأنهم يعلمون ما يفعلون

لكن الذي حدث منه شيء من غير قصد أو من غير علم أو من غير اختيار، فهذا يكون معذورًا.

ولذلك ذُكر في الآية:

﴿قَالُوٓا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: 14]

فهم يعلمون ما يفعلون، فيؤاخَذون على ما يعملون.

والله تعالى أعلى وأعلم، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.